لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الثلاثاء، 31 يناير 2012

"دهاء النعامة " قصة للأطفال بقلم: خليل البيطار

دهاء النعامة
خليل البيطار

تعاهدت النعامة والحمار الوحشي على أن يكونا صديقين متعاضدين، يدل كل منهما الآخر على الطرق المأمونة والمراتع المعشبة، ويتبادلان الحراسة ليتقيا هجمات ملك الغابة المفاجئة ونظراته النارية وعدوانيته وافتراسه..

كان أبو لبد دائم الزئير، في حالات جوعه وشبعه، أو غضبه ورضاه، مثل بعض الناس الذين تستمر شكواهم في أحوال الغنى والبؤس، أو الصحة والمرض، أو القوة والعجز…
وقد حرصت النعامة على حراسة الحمار الوحشي، مثلما حرص الحمار الوحشي على أن يظل متيقظاً لحماية النعامة حتى اتسعت عيناه، وبات قادراً على رؤية أبي لبد من مسافة بعيدة، وكان حرصهما مماثلاً لحرص ملك الغابة على تذوق لحم أحدهما أو كليهما بعد أن مل لحم الغزلان والأرانب والثعالب والثيران.

أخفق ملك الغابة في اقتناص أحد الصديقين، لسرعتهما في توقع قدومه، وخفتهما في الجري، وكانت ملاحقاته عديمة الجدوى، تنتهي بنوبات من اللهاث والزئير، فيضطر إلى إطفاء جوعه بأرنب صغير، وإطفاء عطشه، بشرب ليترات كثيرة من ماء البركة، ويستذكر قصصاً قديمة تحكي عن جبن الحمار الوحشي وخوف النعامة، التي لا تكتفي برسم خطوط في الرمال، بل تدفن فيها رأسها.

تساءل أبو لبد يوماً: كيف أكون ملك الغابة، ولا أستطيع اقتناص نعامة أو حمار وحشي؟ هذا أمر غير مفهوم، وغير منطقي، وهو يضر بهيبتي، ويذهب بسمعتي، ويجعل سائر حيوانات الغابة تسخر مني، وتتناسى حضوري، فلأعمد إلى حيلة تمكنني من أسرع حيوانين في الغابة، وعندها تتيقن سائر الحيوانات من سطوتي، وتعرف أنه لا نجاة لأي حيوان من براثني…

تظاهر أبو لبد بالمرض، وأذاع إعلاناً للحيوانات، يدعو كلاً منها إلى عيادة ملك الغابة. واختيار حكاية تنسيه أوجاعه، فإن أعجبته أطلقه وإن لم تعجبه افترسه، وهدد الإعلان كل حيوان يمتنع عن تنفيذ طلب ملك الغابة بالويل والثبور، وأن الغابة على سعتها لن تحميه من عقاب الملك.

مضت الحيوانات زرافات ووحداناً إلى عيادة ملك الغابة، وكان بعضها يعود ليخبر الآخرين عن طيبة أبي لبد، وحبه لسماع القصص الطريفة، وكان معظمها لا يرجع من زيارته، فيقدر زملاؤه أنه لم يحسن اختيار حكاية مشوقة وأنه وقع بسبب تقصيره. وظل الحمار الوحشي والنعامة بعيدين عن الوقوع في مصيدة أبي لبد، وهو ينتظر قدوم أحدهما بصبر فارغ..

وإذا كانت الحيلة لا تداوى إلا بالدهاء، فقد قرر الصديقان المتعاضدان أن يسخرا من ملك الغابة المتمارض، فنسجت النعامة الحكاية، وطلبت من الحمار الوحشي أن يقصها على أبي لبد، ولأنها لن تعجبه كما هو متوقع فليقل أن النعامة روتها ـله، وهي مستعدة لتحمل مسؤوليتها والمجيء إلى عرين الملك..

تردد الحمار الوحشي قليلاً، فقد تسحقه البراثن قبل أن يقص حكايته أو بعدها، لكنه تشجع أمام نظرة النعامة الواثقة، ودخل على ملك الغابة فحياه، ثم قال:

ـ "كانت هناك غابة واسعة، لها ملك عادل اسمه أبو لبد، تحبه الحيوانات وتتمتع بحمايته، وذات صباح أبلغ أحدها الملك أنه سمع زميله يردد شائعة تقول بوجود ملك آخر للغابة أكثر عدلاً في شطرها الشمالي، وإن الحيوانات جميعها ستتجه إلى هناك وتتركه وحيداً، فغضب ملك الغابة وزأر بشدة ومضى إلى الشطر الآخر من الغابة فلم يجد أحداً، لكنه امتلأ غيظاً، ومن يومها وهو يفترس كل حيوان يصادفه"…

تظاهر أبو لبد بالتفكير العميق، ثم أعلن أن الحكاية تقليدية لا نكهة فيها ولا تجديد، وعقوبة صاحبها معروفة، وتهيأ للانقضاض. فأسرع الحمار الوحشي إلى القول: يا مولاي لست ناسج هذه الحكاية، لكنها النعامة صديقتي التي تملأ أذني دائماً بهذه الحكايات السخيفة، وقد أبلغتني أنها مستعدة للمثول أمام الملك، إذا لم تعجبه حكايتها…

فرح ملك الغابة في سره، إذ يستطيع أن يظفر بالمتمردين معاً، وتظاهر بالامتعاض لكنه سمح بأن تمثل النعامة أمامه بصحبة الحمار الوحشي دون تأخير..

مضى الحمار الوحشي فرحاً بنجاته، وأبلغ النعامة ففرحت، وتابعت نوبة الحراسة بيقظة أكثر، وانتظر أبو لبد عودتهما طويلاً، ثم استبد به الغضب، واندفع بكل قوته يصدم الحجارة وجذوع الأشجار، ويلعن القصص وناسجيها ورواتها وينذرهم بعقاب شديد، وما زال إلى يومنا يتابع الزئير المخيف المدوي، ويرسل نظرات زائغة إلى المساحات المعشبة في الغابة بحثاً عن ريشة نعام أو جلد مخطط….

الاثنين، 30 يناير 2012

"الريشات الملوّنات والساعة الغريبة"قصة للاطفال بقلم:د. طارق البكري

الريشات الملوّنات والساعة الغريبة
د. طارق البكري

في مخيلتي حكايات وحكايات.. قرأت منها الكثير.. ورسمت في عقلي الكثير الكثير.. فهي كالأحلام.. لا تنتهي ولا تتوقف، بل تكبر وتزداد نمواً كلما مضينا في الحياة.. والحياة أوقات تمر مسرعة.. كلما مرّ يوم تبعه يوم.. والأرض لا تتوقف عن الدوران..
ومع كل ما أحمله من مخيلة واسعة طائرة محلقة مثل سحابة مطيرة في السماء.. شاهقة مثل قمر.. قررت فجأة ودون مقدمات أن أبقيها لنفسي ولا أقصها سوى على أمّي.. فهي وحدها التي تصدقني وتنصت إليّ بانتباه ومحبة.. وهي التي تستمع إلى أفكاري وأحلامي.. وتطلب مني أن أحكي لها أجمل حكاياتي..

***
بعض صديقاتي في المدرسة ضحكن عندما سمعنني أروي حكاياتي.. لذا قررت أن أخفي حكاياتي في قلبي.. فهي ملكي وحدي.. لي أنا فقط.. لم أشاركهن بها.. ولم أسمح لهن بأن يسخرن مني بعد ذلك اليوم..
ما همي بهن! فأنا أحلم بأن أطير فوق النجوم.. أصادق كل يوم نجمة من النجمات..
نعم.. أنا أطير.. شيء جميل أن أطير، لا يعرف معنى ذلك إلا من يطير مثلي.. لذا تفهمني الطيور وأفهمها.. تفهمني ريشة العصفور الخفيفة التي تحملها نسمات ناعسة.. فتتراقص في الفضاء.. ترسم على وجه الهواء ابتسامة منيرة..
***
أحببت ريش الطيور لأن الطيور على أنواعها تقضي عمرها وهي تطير من مكان إلى مكان.. تحلق فوق الأشجار والبحار والأنهار والجبال والوديان والصحاري..
ومن عادتي أن أخفي بين أوراق كتبي الكثيرة كثيراً من ريشات الطيور.. ومن كل الألوان.. ولست أدري لماذا تعجبت مدرستي عندما طلبت منا نحن طالبات فصلها أن نكتب عن هواياتنا.. فكتبت أن هوايتي جمع الريشات الملونات..
وما الغرابة في ذلك؟.. أنا فقط قلت إن هوايتي جمع الريشات الملونات.. ترى ماذا كانت ستفعل لو علمت أنني أملك مجموعة متنوعة من ريش الطيور؟.. وأن لدي أيضاً ريشات دجاج وديوك؟ (هههههه).. فعلاً إنه لشيء مضحك أليس كذلك؟
حتى أنا أضحك من نفسي ومن هوايتي.. فأنا بصراحة أعتقد أنها هواية غير عادية وليست مألوفة.. لكن لا يهمني ما يراه الآخرون.. بل ما أراه أنا..

***

أنا مثلاً أعتقد أن حقوق الدجاج ضائعة.. والدجاج تنتسب إلى جماعة الطيور، وهي أيضاً أنواعها كثيرة.. لكنّها لا تطير.. ومع ذلك تظل من عائلة الطيور.. فكيف تسمى طيراً ولا تطير.. وهنالك أيضاً بط لا يطير.. هذه الأنواع من الطيور مظلومة.. فهي تحسب من جماعة الطيور وهي لا تستطيع الطيران..
أحياناً أتناقش مع أبي بذلك.. خاصة أنه غير مقتنع بهوايتي.. وغالباً ما يشجعني على هوايات أخرى.. لكنه لا يتفق مع آرائي ولا مع تصوراتي.. ورغم ذلك يحب الاستماع أحياناً إلى قصصي وأحلامي.. وعندما يتأمل ريشاتي الملونات أراه معجباً بها، لكنه لا يعبر عن ذلك.. فهو يظنني أضيع وقتي بهذه الهواية الغريبة..
***
لست أدري ما الغريب بهذه الهواية؟ فبعض الناس هوايتهم جمع الصدف.. وبعضهم جمع العملة والطوابع.. مع أن الطوابع تكاد تختفي مع انتشار البريد الإلكتروني.. وهناك من يجمع الحيوانات المفترسة.. وقرأت في الجريدة أن هناك من يربي الثعابين السامة في بيته.. ومن يربي العناكب والحشرات ومن يربي القطط والكلاب وحتى الأسود.... فلماذا يستغربون هوايتي؟
***
أمي الحبيبة تآلفت مع ريشاتي.. في أول الأمر حاولت أن تبدل هذه الهواية.. لكنها في النهاية اقتنعت وصارت تعجبها كثيراً بل تشاركني أحياناً في ترتيبها وتنظيفها..
البعض يعتقد أنّ في هذه الهواية سراً ما..
الحقيقة أنه ليس هنالك أيّ سر.. فأنا أحب الطيور لأنها تطير وتطير وتطير..
والريشة لها رمزية كبرى عندي.. فهي طارت مع الطير إلى أمكنة عديدة.. ورأت الدنيا من أمكنة عالية.. حلقت فوق الأشجار والأنهار والبحار.. ولامست الغيوم والنجوم..
كل ريشة لها عندي معنى مميز.. وخاصة عندما أراها تطير لوحدها في الهواء بعد أن تنطلق من جسد الطائر الذي يبدل ريشه من حين إلى آخر.. كما أنّ تنوع الريشات التي أراها أمامي كل يوم يمنحني فكرة عن التنوع الأكبر في الكون..
***
وبما أنني أحمل مخيلة متنوعة مثل هذه الريشات، فقد ازدادت مخيلتي مع ازدياد عدد الريشات التي في غرفتي.. فكل ريشة تحكي لي قصة.. وأنا أعرف أنّه في الماضي وقبل اختراع القلم كانوا يستخدمون الريشة في الكتابة والتأليف.. فكانت الريشة تحكي عن نفسها وتكتب حكايتها في أعماق خيالي..
وكل ريشة عندي تحكي لي قصة الطائر الذي كانت معلقة فيه.. وقبل أن تصل الريشة إليَّ.. حملها الهواء وطارت.. ودارت.. وحلّقت.. إلى أن وقعت بين يديّ.. فأصادقها وتحكي ما رأته من أشياء وأشياء..
***
تعلمت من هذه الريشات أموراً كثيرة..
نسجتُ في خيالاتي قصصاً مع كل ريشة أخفيتها في غرفتي حتى أضحت مثل مملكة للريش.. وعددها بالمئات ومن كل الأحجام والأنواع..
كان بإمكاني أن أجمع أكثر بكثير منها، لكنني أحب الاحتفاظ بالريشات الجميلات الملونات المميزات.. وليس أي نوع من الريش..
***
وفي يوم حصلت على ريشة طير أحضره جارنا الطبيب من بلد بعيد..
وهنا أريد أن اقول لكم لا تظنوا أنني أنزع الريشة من الطير.. لا أفعل ذلك مطلقاً.. بل أحب أن ألتقط الريشة وهي تطير.. ولا أنزعها من جسد طائر فيتألم..
وأعود إلى حكاية جارنا الطبيب؛ فقد حملت لي النسمات ريشة من ريشاته الجميلات.. كما حملت لي من قبل ريشاً كثيرة.. خلال زياراتي المتكررة إلى حديقة الطيور القريبة من منزلنا.. أو في طريق عودتي من المدرسة، أو خلال جولاتي في الحدائق والبساتين..
هذا الطائر الجميل الذي أحضره جارنا الطبيب لم يتحمل فراق طبيعة بلاده... فمات بعد فترة قليلة من وصوله..
قال جارنا الطبيب لأبي يوماً: إنّ الطائر هذا كان يعيش في حديقة رائعة.. اشتراه ليأتي به الى بيته.. لكنه مات.. ربما لأنه شعر بالحزن لفراق حديقته.. أو.. لا...ربما لفقد أحباء وأصدقاء وأقرباء..
***
في الحقيقة.. كل ما أملكه من ريش في كفة.. وما أهداني إياه أبي في يوم من الأيام في كفة أخرى..
فأظرف شيء في غرفتي هدية ثمينة جداً أشتراها لي أبي بواسطة الإنترنت.. وهي عبارة عن ساعة كبيرة لم أرَ مثيلاً لها في حياتي..
فهي ليست ساعة عادية.. بعض الناس قد لا يحبونها ولا يستظرفونها.. أتدرون لمَ؟ لأنّ عقاربها من ريش الطيور الطبيعي.. وأرقامها من الريش أيضاً.. أما إطارها فمن خشب الغابات الطبيعي.. لا لون فيه ولا زينة.. فهو كما كان حيث تعيش الطيور نفسها صاحبة ريشات الساعة الملونات..
الساعة أحضرها لي أبي هدية نجاحي في المرحلة المتوسطة.. رغم أنه غير مقتنع بهوايتي وغرامي لريش الطيور.. علقتها على حائط غرفتي كأنها لوحة الموناليزا..
هذه الساعة دقيقة جداً في حركاتها.. كأنها قلب ينبض بانتظام على الجدار بدقة متناهية..
***
مرت سنوات والساعة لم تخطئ ثانية واحدة.. وأنا في طبيعتي أحب الدقة..
كانت ريشات الثانية والدقيقة والساعة تتراقص أمامي كما تتراقص الريشة في مهب الريح..
أحضرت مرة هذه الهدية معي إلى المدرسة لأريها لصديقاتي في الفصل.. فسخر بعضهن منها.. كما سخرن سابقاً من هوايتي بجمع الريش ومن قصصي معها.. بالرغم من أنها كانت أجمل هدية تلقيتها في حياتي..
فعاهدت نفسي أن أحتفظ بأشيائي المحببة بعيداً عن الأنظار ولا أذيع سرّها.. وأن أكتم حكاياتي كلها مع ريشات الطيور.. فمن لا يعرف الريش لا يفهم معانيه..
***
وكلما كبرت.. كانت قصصي مع الريش تكبر.. ومخيلتي تتسع..
وكانت ساعة أبي الغريبة ترافقني في سرّي.. تعلمني بصمت.. بحركات دائبة لا تهدأ ولا تتوقف ولا تمل ولا تئن ولا تشكو ولا تتعب..
تعمل ليلاً نهاراً دون أن تطلب جزاءً ولا شكوراً..
علمتني ساعة الريش كيف أعمل مثلها بجد ولا أتذمر..
وصرت أحب الوقت أكثر.. وأعرف قيمة الوقت الذي تحكيه لي في كل حركة من حركاتها..
صرت أرسم الثواني والدقائق والساعات في مخيلتي..
صرت أفكر بالمسافات التي قطعتها هذه الريشات الجميلات في دورانها حول مركز الساعة..
فكرت بحركة الأرض ودورانها حول الشمس.. وحول نفسها..
ساعات وساعات تمضي.. أيام وسنين تمر.. وكل يوم له عندي قصة..
***
حسبت المسافة التي تقطعها الريشات في كل دورة.. والساعة كبيرة جداً.. كأنها قمر في غرفتي.. وكانت تضيء في الظلام بشكل عجيب..
حسبت المسافة..
كل ثانية وساعة ودقيقة..
ريشة الثواني تقطع 60 مرة المسافة نفسها التي تقطعها ريشة الدقائق في ساعة واحدة..
وبعملية حسابية بسيطة وجدت أن ريشة الثواني تدور حول مركزها 60 مرة في الساعة و1440 مرة في اليوم.. فيما تدور ريشة الدقائق حول مركزها 24 مرة فقط في اليوم فقط.. وتظل ريشة الثواني تدور وتدور وتدور وتقطع مسافة هائلة في الشهر الواحد تصل إلى 43200 دورة... وفي السنة الواحدة نحو 518400 دورة... ومع ذلك لا تتذمر ولا تتأفف.. وتظل تدور وتدور وتدور.. رغم اتساع دائرة مروحتها بشكل لافت..
***
وهذه الساعة اليوم أصبحت عجوزاً مثلي.. مضت عليها سنوات طويلة وهي معي.. وما تزال تقريباً على حالها كما أخذتها هدية من أبي..
دارت ريشات ساعتي الملونات ملايين المرات تعبت من إحصائها.. وما تزال تدور بثبات..
عرفتُ معنى ثبات الوقت وقيمته منها.. مثلما عرفت قيمة الريشات التي في غرفتي.. فالطائر يبدل ريشاته في وقت معين من السنة.. والهواء يحمل الريشات ويطير بها من عالم إلى عالم.. ومن مكان إلى مكان.. يحمل معها مخيلتي التي تطير وتطير.. مع كل طائر وكل ريشة..
***
مضى وقت طويل مع كل حركة ونبض في الساعة المعلقة على حائط غرفتي.. وانتقلت إلى بيت جديد.. أصبح عندي أبناء وأحفاد.. وما تزال الريشات الملونات صديقات مخيلتي..
لكنني اليوم لم أعد أخشى الحديث عن ريشاتي المحببات.. بل صرت أحكي قصصاً كثيرة عنها.. فلدي كثير من الأحفاد.. وهم يحضرون أصدقاءهم وصديقاتهن لأحكي لهم قصصاً.. وتلقيت دعوات كثيرات من مدارس عديدة.. لأحكي قصصي مع الريشات الملونات.. وقصة الساعة وريشاتها الملونات التي ما تزال تدور وتدور..
أصدقائي الصغار أحبوا قصصي مع ريشاتي الملونات كما أحبوا قصص ساعتي الغربية..
***
وصلت قصص الريشات والساعة إلى آذان والد تلميذة في فصل حفيدتي الصغيرة مريم.. وكان يعمل صحافياً في جريدة..
طلب الصحافي مقابلتي وتصوير ريشاتي وساعتي.. سمحت له بذلك..
كنت فخورة جداً بكل قصصي مع ريشاتي الملونات..
حكيت له حكاية كل ريشة.. وحكاية جارنا الطبيب.. وحكاية أبي مع الساعة.. أخبرته كيف استهزأت بي صديقاتي عندما عرفن بهوايتي وكيف ضحكن من ساعتي..
كان الصحافي ذكياً.. تعجب كيف يرفض السابقون هوايتي بينما هي اليوم حديث الصغيرات في مدرسة ابنته..
قلت له إنني كبيرة الآن.. ربما لأنهم يقبلون هوايتي لأنني كبيرة بالعمر.. وربما لو كنت في مثل سنهم لسخرن مني مرة أخرى..
***
في الصباح التالي تلقيت سيلاً من الاتصالات..
طلبوا مني أن يقيموا معرضاً رسمياً يعرضون فيه ريشاتي الملونات وأن تكون أمام كل ريشة ورقة تشرح فيها قصتي معها وكيف حصلت عليها..
وما اسم الطائر الذي تعود الريشة إليه..
كما أن ساعتي صارت حديث الناس.. وتسابقت مصانع الساعات لطرح ساعات مشابهة.. واتصلت بي شركة ساعات كبرى تطلب مني أن تسمي إحدى ساعاتها باسمي..
***
كنت فخورة جداً بريشاتي.. وفرحت لأنّ الصغار باتوا يقدرون قيمة سّاعتي.. فهي عندي ليست مجرد ساعة أضعها على الحائط..
وصرت أتحدث عن أهمية الوقت في كل مكان..
واليوم أتحدث إليكم في هذا البرنامج التلفزيوني بسعادة كبيرة..
وأقول لكم في الختام إنّ هناك تشابهاً بين الريشة والوقت، فكلاهما يطيران بسرعة.. والفارق أنّي أعود والتقط الريشة.. أمّا الوقت فيطير ولا يعود..
والحياة مجموعة أوقات تدور بسرعة مثل عقارب الثواني الذي يقطع المسافة حول مركزه ملايين المرات في حياة كل إنسان..
ولولا أنّ وقت البرنامج انتهى كما يشير لي المخرج.. لحدثتكم أكثر عن ريشاتي الملونات وساعتي العجيبة.. فسامحوني.. وعسى أن ألتقيكم في "ساعة" أخرى..

8 – 1 - 2010

الأحد، 29 يناير 2012

"الأغلى" قصة للاطفال بقلم : زهير دعيم

الأغلى 
زهير دعيم
في مملكة بعيدة,تحيطها الغابات والأنهار, وتُزنّرها الورود والأزهار, عاش ملك حكيم تخطّى عتبة السبعين من الأعوام.
وكان لهذا الملك ابنة وحيدة تُدعى "وهج السنين" مَنّ الله بها عليه في كبره قبل عشرين سنة, وحباها جمالاً أخاذا وحِسّاً رهيفاً وفكراً نيّراً.
احبّ الملك ابنته حُبّا ًشديداً وخاصةً وأنها فقدت أمها وهي بعد صغيرة, فأضحى بالنسبة لها الاب والام, فعلّمها وهذّبها على أيدي أعظم المُفكّرين ورجال الفن ّوالذوق الرفيع .
طار صيت جمال وحكمة الاميرة "وهج السنين" الى المشارق والمغارب, فوفدَ الى مملكتها الأمراء والملوك من كلّ حدب ٍ وصوبٍ, والكلّ يبتغي رضاها ويطلبها زوجةً له. جاؤوها مُحمّلين بالهدايا النفيسة والجواهر واللآليء, فردّتهم وهداياهم بلطفٍ وبسمة جميلةٍ قائلةً : لم يحن ِ الوقت بعد!!
تعجّب والدها الملك وسألها مُستفسراً: 
ماذا تُخبّئين يا بُنيتي ؟ 
لقد جاءك أعظم واشرف الملوك والامراء وأنت ترفضين ....
مَن تنتظرين وماذا يدور في رأسك الجميل هذا؟
ولمّا الحّ عليها بالسؤال , ألقت برأسها الصغير على ركبتيه وقالت: 
قد تتّهمني يا أبي بالحماقة , ولكن هذه هي الحقيقة , فقد رأيت في منامي شابّاً من أبناء مملكتنا , وسيم الطّلعة , طيّب الأخلاق, فقير الحال , يمشي حافياً ويلبس ملابس رثّةً. 
هذا الشّاب يا ابي , هو ما أريده وما تصبو اليه نفسي وروحي , شاب جميل من بلادي ومن أهلي , شريطة أن يترك كلّ شيء ....
ماضيه وأهله وكلّ ما له ويأتي ويسكن معي في القصر الكبير.
ضحك الملك الشيخ وربتّ على كتفها قائلاً: 
لقد كبرتِ في عينيّ يا بُنيتي , كبرتِ كثيراً, الان استطيع ان اودّع َهذه الدّنيا وانا مُطمئن .
مرّتِ الايام والقصر ينتظر الشابّ الوسيم الحافي القدمين , ولكن دون جدوى , الى ان خطر للملك خاطر لطيف نفذّه في الحال , فقد اخذ خَاتَم ابنته الاميرة وهج السنين والمحفور عليه اسمها , وطلب من ببغائه الذكية ان تحمله ملفوفاً بمِنديل ٍليلكيٍّ وتطير به ليلاً أينما يروق لها وترميه فوق بيت من بيوت المملكة.
وفي اليوم التالي ارسل الملك المُنادين الى كلّ أرجاء المملكة يحملون الخبر الآتي :
" يا سُكّان مملكة المحبّة العظيمة , قرّرت سموّ الاميرة وهج السنين ان لا تقترن إلا بشاب من مملكتها , فعلى كلّ شابّ ان يُفتّش سطح بيته , فأن وجد مِنديلاً ليلكياً وفي داخله خاتَم الاميرة يكون الحظّ قد حالفه, فعليه ان يترك حالا ًكلّ شيء , أهله وأحباءه وماضيه , ويأتي كما هو الى القصر لتُزفّ الاميرة له في حفلٍ مَهيب .
لم تمضِ ساعة حتى حضر الى القصر شابّ وسيم الطّلعة , أليل العينين , يلبس رثّ الثياب ويمشي حافياً وطلب مُقابلة الاميرة وهج السنين.
فما إن رأته الاميرة حتّى تأكد لها انه هو هو الذي رأته في المنام .
ابتسم الشّابّ الفقير بحَياءٍ وانحنى أمامها احتراماً وقال : سيدتي حُلم كلّ شاب ّفي المملكة وخارجها ان يحظى بالاميرة الفاتنة وهج السنين زوجة له , فجمالكِ واخلاقك ِتاجان ِ يُزيّنانِ المملكة والأنوثة على مرّ التاريخ, ولكن يا سيدتي هناك في الخارج , خارج القصر شيء هام جدّاً يشدّني ويمنعني من هذه الفرحة , وتحقيق هذا الحلم ....
أرجو المعذرة ..
وها انا أعيد لك ِخاتمك الأميري والحزن يُقطّع قلبي.
اعطي الشابّ الفقير الاميرة خاتمها والدموع تنهمر على وجنتيه , واستدار نحو البوّابة خارجا وسط ذهول الاميرة والحاضرين .
لم تُصدّق الاميرة ما تسمع , ولم يقنعها جواب الشابّ الفقير , فأيّ شيء في الخارج يشدّه أكثر من الاقتران بأميرة البلاد الوحيدة؟!!وهي على ما عليه من الجمال والأخلاق والعزّ!
أومأت الاميرة الى الجُند أن يلحقوا سِرّاً بالشابّ ويأتوها بالخبر اليقين عن مكان سُكناه.
وفي المساء , عاد الجنود يحملون الخبر .
تخفّتِ الاميرة وهج السنين بثياب شابّ فقير وتركت القصر مُتوجّهةً نحو كوخ الشابّ.
ولمّا وصلته رأت ضوء قِنديل شاحب يلمع من ثقوب الكوخ , فقرعت بابه بلطف , ففتح لها الشابّ الفقير ودعاها الى الدخول بعد أن تظاهرت بانها مُتسوّل يبحث عن مكان يبيت فيه ليلته .
استقبل الشابّ ضيفه استقبالاً حافلاً ودعاه ليشاركه وامّه العمياء العجوز طعام العَشاء البسيط.
و كم كانت دهشة الاميرة كبيرةً حين راح الشاب الفقير يُلقم امّه بيديه ويسقيها بلُطف وحنان , فلم تتمالك نفسها وكشفت عن سِرّها وهي تقول: 
منذ زمن وأنا ابحث عن امّ , وها قد بعث لي الله بها , فهيّا معي الى القصر , فأني نادمة على شرطي القاسي الذي اشترطته...
فقد كبرتَ في عينيَّ .
عانق الشابّ امّه وهو يبتسم للاميرة وقال: 
الحمد لله ...
الحمد لله فقد حقّق الله دُعاءَك ِلي يا امّاه..
وبعد ساعة واحدة اقتربت ظلالٌ ثلاثة أشخاص متعانقين ودخلوا بوّابة القصر الكبير الذي شعّ بوهج الحبّ والوفاء والأنوار!!

السبت، 28 يناير 2012

"الحلاق الذي قضم النمر رأس عمه" قصة مترجمة للفتيان بقلم: ويليام سارويان ترجمة: علي أحمد ناصر

الحلاق الذي قضم النمر رأس عمه
ويليام سارويان
ترجمة: علي أحمد ناصر

كان الجميع يطلبون مني قص شعر رأسي ،وكأن رأسي كان مهماً للعالم بأسره.
يصبح الشعر شديد السواد بعد قصه، الجميع يطلب ذلك، العالم كله كان يطالب بذلك. و أخيراً ذهبت إلى حلاق أرمني في شارع ماريبوزا اسمه آرام.
ربما كان فلاحاً من قبل أو حداداً ، أو قد يكون فيلسوفاً لا أعلم.
ما أعرفه أنه يملك دكان حلاقة صغيراً في شارع ( ماريبوزا) ، و يقضي معظم وقته بمطالعة الصحف الأمريكية ولف السجائر ثم تدخينها ، أثناء مراقبته المارة.
لم أره مرة يقص شعر أحد ما أو يحلق لحيته ، مع أنني أفترض دخول شخص أو شخصين خطأ إلى دكانه.
ذهبت إلى صالون آرام و أيقظته. 
كان يجلس خلف طاولة صغيرة وأمامه بعض الصحف و هو نائم .
قلت له بالأرمنية :
- معي خمسة و عشرين سنتاً هل ستقص لي شعري!
قال:
- إني سعيد لرؤيتك ما اسمك؟ 
اجلس، سأغلي القهوة أولاً ، لديك شعر رائع جداً.
قلت :
- الجميع يريد مني قصَّهُ ! 
هل يمكنك قصَّه كلَّه بحيث لن يذكِّروني بقصه مرة ثانية قبل مرور وقت طويل؟
قال :
- القهوة جاهزة لنحتسي أولاً فنجان قهوة.
قدم لي فنجان قهوة و عبر عن دهشته لأني لم أقم بزيارته من قبل وهو الشخصية ذات الأهمية الكبرى في المدينة. 
إنه مميز فعلاً بمشيته الخاصة ، و طريقة حديثه و حركاته. 
كان في الخمسين من عمره تقريباً ، بينما لم أكن قد تجاوزت الحادية عشرة.
لم يكن أطول مني حينئذ ، و لم يكن أكبر مني وزناً ، لكن وجهه كان وجه رجل مجرب ، من يعرف ! إنه عاقل و يحب .
لم يكن فظاً عندما فتح عينيه ، كان بؤبؤاه ينطقان :
- العالم ! 
أنا أعرف أسرار الكون كل الكون ، الشر و البؤس الكراهية و الرعب ، القذارة و العفن ، حتى أني أحب كل ذلك .
رفعت كوب القهوة إلى فمي و ارتشفت القهوة السوداء الحارة كانت ألذ مذاقاً من أي مشروب تذوقته حتى ذلك الحين.
قال بالأمريكية :
- اجلس ، اجلس ، لن نذهب إلى مكان آخر و ليس لدينا مانفعله ولن يطول شعرك خلال ساعة .
جلس و ضحكت ثم بدأ يخبرني عن العالم.
أخبرني عن عمه ميساك الذي ولد في ( موش) .
أنهيت قهوتي و أنهى قهوته ثم نهضت وجلست على كرسي الحلاقة و بدأ يقص شعري .
كانت تسريحة الشعر تلك أسوأ قصة شعر أراها حتى ذلك الحين بل كانت أسوأ من تلك القصة لشعري في مدرسة الحلاقة و كانت وقتذاك مجانية ، لكنه أخبرني عن عمه ميساك و حكايته مع نمر السيرك.
قال :
- ولد عمي ميساك في مدينة موش و كان ولداً شقياً جداً جداً، لكنه لم يكن لصاً ، كان شرساً مع الذين يعتقدون أنهم الأقوى، لأنه كان يستطيع التغلب على ولدين معاً من أبناء المدينة، و إذا اقتضت الضرورة أيضاً يستطيع التغلب على والديهما أو والدتيهما أو جديهما أو جدتيهما. 
لذلك كان يقول له الجميع: " أنت ولد قوي يجب أن تتعلم المصارعة و تكسب المال الكثير فأصبح ميساك مصارعاً و حطم عظام ثمانية عشر رجلا قوياً قبل أن يبلغ العشرين و جل ما فعله بالمال الأكل و الشرب و توزيع الباقي على الأطفال ، لم يكن يحب المال أبداً ، كان ذلك منذ زمن بعيد أما الآن فإن الناس يحبون المال أكثر من أي شيء آخر.
حذروه بالندم إذا لم يجمع المال من أرباحه و كانوا على حق ، قالوا له : " اهتم بأموالك لأنه سيأتي يوم لن تكون فيه قوياً و لن تربح بالمصارعة. "
و جاء ذلك اليوم عندما بلغ عمي الأربعين من العمر ضاعت قواه العضلية و جميع أمواله.
فسخروا منه فاضطر إلى مغادرتهم إلى استانبول ثم إلى فيينا.

سألته:
- فيينا؟
هل ذهب عمك حقاً إلى فيينا؟
قال آرام:
- نعم بالطبع ، سافر عمي الفقير إلى أماكن عديدة لكنه لم يجد عملاً في فيينا، و كاد يموت جوعاً لكنه لم يسرق حتى رغيف خبز، لا لم يسرق شيئاً، بل ذهب إلى برلين ، و هناك أيضاً شارف عمي ميساك الفقير على الموت جوعاً.
كان الحلاق يقص شعري يميناً و يساراً ، و كان باستطاعتي رؤية الشعر الأسود يتساقط على الأرض ، وكنت أحس أن رأسي يبرد شيئاً فشيئاً ويصبح أصغر فأصغر.
أكمل الحلاق حديثه:
- آه برلين ! شوارع و شوارع ، منازل و منازل ، ناس و ناس ، ولكن لم يكن لعمي ميساك فيها باباً واحداً مفتوحاً ، أو غرفة واحدة ، أو طاولة واحدة ، أو صديقاً واحداً.
قلت:
- آه يا إلهي! 
ما أصعب وحدة المرء في هذا العالم ، هذه الوحدة مأساوية في الحياة!
أكمل الحلاق :
- تكرر الشيء نفسه في باريس و لندن و نيويورك و في كل أمريكا الشمالية ، و في كل مكان ، شوارع و شوارع ، بيوت و بيوت ، أبواب و أبواب ، في كل مكان. 
لكن لا شيء منها لعمي ميساك الفقير.
قلت :
- آه يارب احمه! 
أيها الرب في السماء احمه!
أكمل ميساك:
- في الصين صادف عمي ميساك مهرج سيرك فرنسي ، تحدثا طويلاً باللغة التركية.
سأله المهرج:
" هل تحب الإنسان و الحيوان؟ "
أجابه عمي :
" نعم أحب الإنسان و الحيوان و الأسماك و الطيور و الصخور و كل شيء مرئي و غير مرئي."
عندئذ قال المهرج:
" هل يمكنك حب نمر الأدغال المتوحش؟ "
فقال عمي:
"نعم أحب وحوش الغابات المرعبة دون حدود."
لقد كان عمي يائساً جداً.
قلت :
- آه يارب !
تابع الحلاق حديثه:
- كان المهرج سعيداً جداً لسماع كلمات عمي عن حبه لوحوش الغابات الكاسرة و أنه كان شجاعاً أيضاً.
فقال:
" و هل يدفعك حبك للوحوش كي تضع رأسك بين شدقيه عندما يتثاءب ؟ "
بدأت أصلي: " يا رب احمه يارب احمه! "
قال الحلاق آرام:
- قال عمي :" نعم أستطيع"
فسأله المهرج : " و هل تريد الانضمام إلينا للعمل في السيرك فقد أطبق النمر البارحة فمه على رأس سيمون بيرغورو المسكين و مات و لم يعد لدينا من يحل محله و يحب النمور و جميع مخلوقات الله الكثيرة دون حدود."
كان عمي المسكين قد ملَّ العالم فقال للمهرج:
" نعم يا صاحبي سأنضم إليكم في السيرك و سأضع رأسي بين شدقي النمر المتثائب مائة مرة في اليوم الواحد "
قال المهرج: " هذا ليس ضرورياً، ما نريده مرتين فقط يومياً."
و هكذا فقد انضم عمي إلى السيرك الفرنسي في الصين ،و بدأ يضع رأسه بين شدقي النمر المتثائب أمام الجماهير المشاهدة برعب وخوف، و سافر السيرك من الصين إلى الهند و من الهند إلى أفغانستان ، و من أفغانستان إلى إيران.
و في إيران حدثت المأساة.
كان النمر قد أصبح صديقاً لعمي ، لكن في طهران! 
في تلك المدينة العريقة أصبح النمر متوحشاً، فقد كان الطقس حاراً جداً و أصبح كل شيء بشعاً ، و صار النمر غاضباً يركض حول نفسه طوال اليوم ، و هناك في طهران وضع عمي المسكين رأسه بين فكي النمر المتثائب في السيرك و بينما كان عمي يخرج رأسه حل فجأة الغضب الوحشي على العالم كله ، فأطبق فكيه بقسوة و قهر و عنف.

انتهى الحلاق من قصِّ شعر رأسي ، نظرت إلى المرآة، فرأيت شخصاً غريباً .
كنت خائفاً أرتجف ، إذ لم تبق شعرة واحدة على رأسي، دفعت لآرام الحلاق خمسة و عشرين سنتاًو انطلقت إلى البيت. 
هناك ضحك الجميع علي ، و أعرب أخي غريغور أنه لم ير أسوأ من قصة الشعر هذه خلال حياته.
لم أفكر كثيراً بشعر رأسي خلال الأسابيع التالية، كنت أفكر بشيء واحد فقط ، إنه قِصة قضم نمر السيرك لرأس عم الحلاق المسكين.
وكنت أترقب ذلك اليوم الذي يطول فيه شعري كي أذهب إلى الحلاق آرام لأستمع ثانية إلى قصة إنسان الأرض الضائع و الوحيد، الإنسان الذي يعيش في خطر دائم .
القصة الحزينة لعم المسكين ميساك ، القصة الحزينة لكل إنسان حي.

الجمعة، 27 يناير 2012

"العــكـاز " قصة للأطفال بقلم: جاسم محمد صالح

العــكـاز
جاسم محمد صالح
gassim2008_iraq@yahoo.com
لم يستمع احمد الى نصائح أمه حينما كانت تمنعه من الجري بسرعة في الطريق ,ولم يفهم وقتها أنها كانت تخاف عليه… 
وذات يوم خرج احمد من البيت دون علم أمه وبدا يلعب الكرة في الشارع …وصادف أن تدحرجت الكرة الى وسط الشارع البعيد عنه … ولما كان احمد يملك ساقين قويتين فانه أسرع نحوها مثل الطير وإثناء ركضه داس على قشرة موز رميت خطئا في الشارع، بدلا من مكان جمع الأوساخ فسقط على الأرض بقوة وكسرت رجله.

اضطر احمد الى استعمال العكاز في ذهابه الى المدرسة ورجوعه منها … 
لكنه كان لا يحب منظرها , فهو يكره العكازة الخشبية كثيرا , وكان يحاول أكثر من مرة أن يكسرها حتى يتخلص منها … 
وفعلا جرب كسرها أكثر من مرة , لكن خشبها كان قويا وتحمل كل الضربات القوية… 
وكانت العكازة تتألم كثيرا من عمل احمد , لكنها كانت تحب احمد وتريد أن تساعده حتى يشفى وبعدها تودعه وتذهب لتساعد طفلا آخر يحتاج الى مساعدتها , فهي تعرف أن احمد لا يستطيع السير بدونها لهذا فإنها تحملت كل نظرات الغضب والاحتقار التي كان يوجهها إليها وكانت تقول له بهدوء :
- إنني أساعدك يا احمد… 
وسأبقى معك الى أن تشفى ساقك …
وحينها سأجلب لك هدية جميلة وارحل .

لم يفهم احمد شيئا مما قالته له العكازة… وقرر أن يرميها في ساقية قريبة من البيت إثناء عودته من المدرسة ويقول لامه انه فقدها من دون ان يعلم …
وبهذه الطريق يتخلص منه والى الأبد , لكنه وقبل ان يرميها في الساقية سمع صراخا عاليا وشاهد أطفالا يتراكضون نحو الساقية التي سقطت فيها طفل صغيرة .

وقف الجميع مذهولين أمام الساقية … لا يعرفون ماذا يفعلون ؟ فهم يريدون ان يساعدوا الطفلة لكنهم لا يقدرون .

اقترب احمد من الساقية بسرعة وبدلا من ان يرمي العكاز فيها فانه مدها الى يد الطفلة الصغيرة قائلا لها :
- تمسكي بها بقوة … 
سأسحبك بهدوء …
تمسكي بها
تمكن احمد من سحب الطفلة وإنقاذها من الغرق في مياه الساقية, وخرجت الطفلة سالمة , ففرحت العكاز كثيرا حينما ساهمت في إنقاذ الطفلة , ومنذ ذلك اليوم لم يفكر احمد في التخلص من العكاز الى ان يشفى وأصبحت من اعز أصدقائه.


الخميس، 26 يناير 2012

"المزرعة الصغيرة والبقرة " قصة مترجمة للأطفال بقلم: باولو كوليهو ترجمة: حسن صلاح حسن

المزرعة الصغيرة والبقرة
 باولو كوليهو
ترجمة: حسن صلاح حسن
كان هناك فيلسوفاً يتجول فى الغابة مع أحد أتباعه، وكانوا يتناقشون حول أهمية الصُدَفْ. فبالنسبة للفيلسوف ، كل شىء حولنا إما أن يجعلنا نتعلم شيئاً أو نُعلم شخصاً آخر هذا الشىء. وفى تلك الأثناء مرا ببوابة مزرعة صغيرة والتى، برغم موقعها الممتاز، تبدو شديدة الفقر. فقال التابع :
- انظر إلى هذا المكان .. أنت محقٌ فعلاً، وما أتعلمه فى هذا المكان أن الكثير من الناس يعيشون فى الجنة ولكنهم لا يدركون ذلك ويعيشون فى أسوأ حال.
فرد عليه الفيلسوف بسرعة:
- لقد أخبرتك أن تتعلم وتُعلِّم، فليس من السهل أن تلاحظ ما يحدث، يجب عليك ان تكتشف الأسباب، لأننا نفهم العالم حينما ندرك الأسباب.
دقا على الباب فانفتح واستقبلهم سكان المزرعة؛ زوج وزوجة وثلاثة أطفال، كلهم يلبسون ثياب مهلهلة قذرة. فقال الفيلسوف لرب الأسرة:
- أنتم تعيشون فى وسط الغابة ولا يوجد محلات فى الجوار، فكيف تحيون هاهنا؟
فأجابه الزوج بهدوء جمّ:
- أيها الصديق .. إننا نمتلك بقرة تزودنا كل يوم بالعديد من لترات اللبن، بعض هذه اللترات نبيعها أو نستبدلها فى المدينة المجاورة بطعام آخر، أما المتبقى من اللبن فنصنع منه الجبن والزبادى والزبد لأنفسنا. وهذه هى معيشتنا.
شكر الفيلسوف صاحب المزرعة على تلك المعلومات، وجال ببصره فى أرجاء المكان ثم غادر هو وتابعه.
وأثناء سيرهما قال الفيلسوف لتابعه:
- خذ البقرة إلى هذا المنحدر، وادفعها من فوقه.
فقال التابع دهشاً:
- ولكن البقرة هى كل مصدر دخل الأسرة
ولكن الفيلسوف لم يرد عليه، فلم يجد تابعه الشاب بداً من أن يلقى بالبقرة من فوق المنحدر فنفقت لتوها. 
وظل هذا المشهد محفوراً فى ذاكرة التابع الشاب.
بعد عدة سنوات، أصبح التابع الشاب رجل أعمال ناجح فقرر العودة إلى تلك المزرعة ليخبر أسرة صاحب المزرعة بكل ما حدث، ويطلب منهم الصفح والعفو ويساعدهم بماله.
لك أن تتخيل دهشته حينما وجد المكان قد تحول إلى مزرعة جميلة تحوطها الأشجار المزهرة، وسيارة فى جراج المنزل، وأطفال يلعبون فى الحديقة. 
فأصابه الغم واليأس معتقداً أن صاحب المزرعة أضطر إلى بيعها لكى يستطيع العيش.
أسرع التابع الشاب إلى البوابة فحياه خادم لطيف.
فسأل الخادم:
- ماذا حدث للأسرة التى كانت تعيش هنا منذ عشرة أعوام؟
فأجابه الخادم:
- مازالوا هم أصحاب المكان.
فاندفع التابع الشاب إلى المنزل مدهوشاً فتعرف عليه صاحب المزرعة وسأله عن الفيلسوف، ولكن الشاب كان تواقاً لمعرفة كيف نجح هذا الرجل فى تحسين المزرعة ورفع مستوى معيشته بهذه الدرجة.
فأجابه صاحب المزرعة:
- كان لدينا بقرة، ولكنها سقطت من فوق المنحدر وماتت. 
حينها اضطررت أن أزرع الأعشاب والخضروات لأنفق على أسرتى. تحتاج الخضروات والأعشاب إلى فترة لتنمو، فبدأت أقطع الأشجار وأبيع خشبها فى السوق. وبالطبع اشتريت شجيرات جديدة لتنمو مكان الأشجار المقطوعة، وحينما كنت أشترى الشجيرات الجديدة خطر ببالى ملابس أطفالى، وفكرت أننى ربما استطيع زراعة القطن لأصنع منه ملابسهم.
كانت السنة الأولى شاقة، ولكن أتى موسم الحصاد وبدأت أبيع القطن والخضروات والأعشاب العطرية. 
لم أدرك من قبل قدرات المزرعة العظيمة، وكانت ضربة حظ فعلاً أن ماتت البقرة.
(هذه القصة كانت متداولة على الشبكة العنكبوتية (الانترنت) عام 1999 لكاتب غير معروف)


*القصة للكاتب باولو كوليهو من كتاب (قصص للآباء والأبناء والأحفاد) المجلد الأول 2008

الأربعاء، 25 يناير 2012

"الغيمة والريح والفلاح‏" قصة للأطفال بقلم: عبد الله عبد

الغيمة والريح والفلاح‏
عبد الله عبد
مرت الريح فوق البحر فقالت له:‏
-أيها البحر هل ترافقني؟‏
فقال البحر:‏
- إلى أين؟‏
فقالت الريح:‏
- للقيام برحلة في البلاد.‏
فقال البحر:‏
- لا أستطيع.
سألته الريح:‏
- لماذا؟‏
فأجاب البحر:‏
- لأني أنا البحر:‏
ولم يعجب هذا الجواب الريح فقالت:‏
- يا له من متكبر!‏
وتابعت الريح طريقها فوق البحر فشاهدت مركباً فقالت له:‏
- هل ترافقني؟‏
فقال المركب:‏
- إذا سمحت لي، فالتجار ينتظرون على الشاطئ الآخر وعنابري حافلة بالجوز واللوز والفراء والفلفل واللؤلؤ والمرجان.‏
ونفخت الريح في الأشرعة فانتفخت وتهادى المركب فوق البحر حتى وصل إلى الشاطئ حيث كان تجار الجوز والفراء والتوابل والصنوبر واللؤلؤ والمرجان ينتظرون، ثم توقف عند الشاطئ ولم يتقدم بعد ذلك.‏
وتابعت الريح طريقها فشاهدت شجرة فقالت لها:‏
- أيتها الشجرة هل ترافقينني في رحلتي؟‏
أجابت الشجرة:‏
- كلا.‏

فسألتها الريح:‏
- لماذا؟‏
فردت الشجرة:‏
- لأني أنتظر الربيع كي أورق وأزهر وأصنع ثمراً للناس.‏
وجرت الريح بين البيوت فقالت لأحدها:‏
- هل ترافقني في رحلتي؟‏
فقالت البيت:‏
- بودي لو أرحل معك، فقد ضجرت من البقاء في مكان واحد. ولكن البيوت وا أسفاه لا ترحل لأنها ثابتة.‏
وواصلت الريح سيرها فالتقت بجبل فقالت له:‏
- هل تسافر معي؟‏
فقال لها الجبل:‏
- كيف أسافر معك وأنا أحمل على ظهري الثلج والغابة.‏
وانحدرت الريح إلى الطريق العامة وقد عللت النفس بأنه من الممكن أن تجد هناك أحداً ما، فصادفت عمود كهرباء، فقالت له:‏
- أيها العمود هل تمضي معي فتتفرج على الدنيا بدلاً من أن تقف هنا ثابتاً فيدخل الملل إلى قلبك؟‏
فقال عمود الكهرباء‏
- ليتني أستطيع أن أفعل، ولكن عما قليل تغيب الشمس ويعم الظلام وهنا تأتي مهمتي فأحمل النور إلى البيوت؛ وعندئذ ينحني التلاميذ على كتبهم لحفظ دروسهم، وتحمل آلام صنارتها وخيطانها لتتابع نسج الصوف، ويفتح الأب صحيفته ليستطلع الأخبار قرب الموقد.‏
وشعرت الريح بالوحدة فأنت وأعولت. تلفتت هنا وهناك فرأت غيمة فقالت لها:‏
- أيتها الصديقة هل تسافرين معي؟‏
فقالت الغيمة بفرح:‏
- نعم.. نعم فأنا على موعد مع فلاح بذر حبوبه وغرس شتوله في الأرض ثم راح ينتظرني في حقله. لعلي قد تأخرت في السفر إليه. وأخشى أن أصل بعد فوات الأوان.‏
فقالت الريح:‏
- أمتطي ظهري وسأحملك إليه قبل أن تذوي شتوله وتموت بذوره في باطن الأرض.‏
وامتطت الغيمة ظهر الريح التي سرعان ما انطلقت في طريقها فرحة جذلى لأنها تحمل الأمل والخير لفلاح ينتظر.‏

الثلاثاء، 24 يناير 2012

"أحلى قوالة" قصيدة للأطفال بقلم: عبده الزراع

أحلى قوالة
عبده الزراع


أنا غزاله
أنا غزاله
وليا عمَّه
وليا خاله
* * * * * *
عيونى حلوه
وبسرعة أطلع
ولا عمرى أعيش
على حد عاله
* * *
أنا غزاله
وبأحب قواله
لسانى سكر
شهده مكرر
وف كل وقت
باكون فى حاله
* * *
أنا غزاله
خفه ورشيقة
ولا عمرى أقول
غير الحقيقة
وقلبى طيب
لكن جريئة
ما أنا غزاله
أنا غزاله

السبت، 21 يناير 2012

"دموع اللون الأصفر" قصة للأطفال بقلم: خالد جمعة

دموع اللون الأصفر
خالد جمعة
لأن أصدقاء هاني يعرفون أنه يحب الرسم، فقد حضروا إلى حفلة نجاحه وهم يحملون الهدايا المغلفة بالأوراق الملونة، ولم يكن أحد يعرف ما يوجد داخل علبة الآخر، وبعد انتهاء الحفلة لم يتمكن هاني من النوم قبل أن يفتح الهدايا كلها، وهنا، كانت تنتظره مفاجأة.
كانت الهدايا كلها عبارة عن ألوان للرسم بأحجامٍ وأشكالٍ مختلفة، ولكن هاني رغم محبته للرسم، لم يكن يحب اللون الأصفر، والسبب في ذلك أنه يذكّره بالليمون، وإذا تذكر الليمون فإن عينه تغلق وتفتح بطريقة تزعجه كثيراً، لهذا فقد بدأ هاني يفتح علب الألوان وينزع اللون الأصفر منها ويلقي به في سلة المهملات.
ذهب هاني إلى النوم، وما إن غفا حتى سمع صوتاً يشبه البكاء، فراح يبحث عن مصدر هذا الصوت، كانت علب الألوان مفتوحة كما تركها، لكن الألوان لم تكن مكانها، كان الصوت يأتي من سلة المهملات، فنظر هاني داخلها، كان اللون الأصفر يبكي وبقية الألوان تحاول التخفيف عنه.
قال الأصفر ودموعه الصفراء تسيل على أرضية السلة:ما الذنب الذي ارتكبته أنا حتى يعاملني هاني هذه المعاملة السيئة؟ لقد خرجت من المصنع وكنت أصفر، وكنت سعيداً لأنني أملك لوناً براقاً، لكن ما فعله هاني سبب لي الحزن.
قال الأحمر يواسيه:ما رأيك أن أعطيك قليلاً مني، سيصبح لونك برتقالياً ولن يلقيك هاني بعد ذلك في سلة المهملات.
فقال الأصفر وقد ازداد حزنه: ومن قال لك أنني أريد أن أصبح برتقالياً؟ أنا أحب نفسي أصفر كما أنا، فلماذا عليَّ أن أغير نفسي كي أعجب الأستاذ هاني؟ أريده أن يتخيل فقط لو أنهم في المدرسة لم يسمحوا له باللعب لأنه قصير أو لأنه صغير السن أو لأي سبب آخر، هل يستطيع أن يكبر فجأة أو يزيد طوله لكي يتمكن من اللعب؟ ماذا سيفعل لو قالت له قطته أن عليه أن يتحول إلى قط لتلعب معه؟
فتدخل الأخضر قائلاً:يجب على هاني أن يعرف أن الرسام لا يمكن أن يستغني عن اللون الأصفر لأنه مهم في أية رسمة.
تنهد الأصفر وقال: أنا لا يهمّني إن كنتُ مهماً أو غير مهم، ليس من حق هاني أن يلقيني في القمامة مهما كان السبب، وحتى لو لم يرسم شيئاً أصفر، هل أنا قلت له ألا يحبني؟
إنه يعرف أن الولد الذي يسكن في المنزل المقابل لا يحبه لأن هاني يضحك منه كلما رآه بسبب بطئه في الكلام، هل يقبل هاني أن يقوم هذا الولد برميه في القمامة لأنه لا يحبه؟
دهش هاني من هذا الحوار العجيب، وقال في خجل موجهاً كلامه إلى اللون الأصفر: لم أكن أعرف أنني أسبب لك الحزن أيها الأصفر.
رد الأصفر وهو يبتلع دموعه: كثير من الناس والأشياء يحزنون بسبب أشياء تفعلها يا هاني، ولكنها لا تستطيع الكلام لتخبرك بذلك، ونحن كنا نظنك نائماً وإلا لما تحدثنا أمامك.
قال هاني في حزن: لكني لم أفعل شيئاً يسبب الحزن لأحد ...
فقال الأصفر: لا يا هاني، فعلت، فعندما رفضت أن تلعب مع أختك الصغيرة لأنها بنت، فقد حزنَتْ ولكنها لا تستطيع الكلام فلم تخبرك، وعندما قطعت شجرة الليمون الصغيرة وأبقيت على شجرة الورد فقد أحزنت شجرة الليمون كذلك، إن شجرة الليمون لا يمكنها إلا أن تكون شجرة ليمون، ولا تريد أن تصبح شيئاً آخر لأن واحداً لا يحبها، لقد بكت الشجرة لأنك ميزت بين الأشجار.
ردد هاني في تساؤل ودهشة: ميّزت؟؟
فأكمل الأصفر: نعم ميزت، يجب أن تساوي بين الأشياء، هل تظن أنك تُعْجِبُ كل عائلتك؟ بالطبع لا، لكنها تساوي بينك وبين أخوتك في الحلوى وفي النقود والأشياء الأخرى، إنكم أيها البشر لا تعرفون المساواة مثلنا، فهل سمعت مرة عن لون يكره لوناً؟ أو يمنعه من أن يلون أي شيء؟
أما أنتم، إذا كان واحد لون جلده مختلف عن لون جلدكم فإنكم تشعرون بأنه بعيد عنكم مع أنه إنسان مثلكم، ولو جاء ولد من ديانةٍ غير ديانتكم ليلعب معكم، فإنكم ترفضون مصادقته واللعب معه، والشيء المحزن أكثر أنكم تعتبرون البنات في مرتبة أقل من الأولاد، مع أننا نحن الألوان لا يوجد لدينا جنس، فليس فينا ذكر أو أنثى،وحتى لو كان هناك واحد من نفس دينكم ونفس لونكم وجنسكم ولكنه يتكلم لغةً مختلفة عن لغتكم فإنكم تتعاملون معه بنفس الطريقة التي تشعره بأنه غير مرغوب فيه، ولا تقفون عند هذا الحد فلو أن أحداً قال رأياً يختلف عن رأيكم أو أحب شيئاً لا تحبونه فإنكم تقومون بإزعاجه وكأنه ارتكب جريمةً كبيرة، وبعد هذا كله تأتي أنت لتلقي بي في القمامة دون أن تفكر أن هذا الأمر يمكن أن يجرحني.
كان الأصفر يتحدث في غضب وحزن، فيما دموعه تنهمر مثل حنفيةٍ مفتوحة على آخرها، وهاني غير قادر على الرد لأنه شعر أن ما يقوله الأصفر حقيقة، وأخذ يتذكر ما كان يفعله هو وأصدقاؤه حين يقابلون ولداً يمشي وهو يعرج، لقد كانوا يضحكون منه حتى يجعلوه يبكي، وشعر هاني بالخجل لأنه كان يفعل ذلك، ومرت في خاطره مجموعة من المواقف المشابهة، حين جاءهم مدرس جديد لونه أسود، وكيف كانوا يتسابقون في عمل المقالب فيه رغم كونه طيباً معهم، وكيف كان عندما يغضب من أحد أصدقائه، يقول له وهو يقصد التقليل من قيمته: أنت بنت.
وفي هذه اللحظة فقط فهم هاني أن أي شيء أو أي أحد لا يمكن أن يشكِّل نفسه كما يريد، فالإنسان والأشياء تخلق هكذا، وتذكر بحزن كم كان الأولاد يرفضون مصادقته عندما دخل المدرسة لأول مرة فقط لأنه كان قصيراً، كان يتمنى أن تطول قامته قليلاً ولكن هذا لم يحدث لأن الأشياء لا تحدث بالأمنيات.
فتّح هاني عينيه جيداً، كانت الألوان تجلسُ في العلب كما هي، وحده اللون الأصفر كان يجلس حزيناً في قاع السلة، مدَّ يده ليخرجه من هناك، ولا يعرف إن كان حلماً أم حقيقة أن اللون الأصفر كان يبتسم.


" الامتياز" قصة للأطفال بقلم: عبير النحاس

الامتياز - الصفحة الأولى

الامتياز -الصفحة الثانية


الامتياز - الصفحة الثالثة

الجمعة، 20 يناير 2012

"مشفَى خمسُ نجوم " قصيدة للأطفال بقلم: أحمد بخيت

مشفَى خمسُ نجوم
أحمد بخيت


أبيضاً
كانَ سريري
أبيضاً
كان الرداءْ
نسَّقَتْ أمِّي
زهورًا
وأبي
يتلو دعاءْ
عندما هلَّ
ملاكٌ
من وراءِ الغيمِ
جاءْ
جسَّ نبضي
باهتمام ٍ
قال: صرنا أقوياءْ


قال:
"قُل: آهٍ"
بِضِحْكٍ
قلتُ كالخرفانِ: ماءْ
ضحكَتْ عيناهُ
حبّاً
ثم أعطاني الدواءْ
تؤلِمُ الحقنةُ لكن
بسمةُ الوجهِ
شفاءْ
أنا إن صرت طبيباً
سأداوي
الفقراء!!



"الدجاجة الصبورة" قصة للأطفال بقلم: قوام الدين محمد أمين

الدجاجة الصبورة
قوام الدين محمد أمين
كانت الدجاجة ترقد على مجموعة من البيض، لم تكن صبورة أبداً، شعرت بالملل وقالت لنفسها:
- لقد مرت ثلاثة أيام وأنا أرقد على البيض! فهل سأظل راقدة عليه ثمانية عشر يوماً آخر؟!..
ونهضت عن بيضها، ومرت ثمانية عشر يوماً ولم تفقس ولا بيضة واحدة، وشاهدت باقي الدجاجات وهن فرحات بكتاكيتهن الجميلة؛ فشعرت بالندم لأنها لم تصبر على رقادها؛ وقررت أن تصبر في المرة القادمة وتعمل بجد ونشاط لتحقيق ما كانت تصبو إليه، ومرت الأيام حتى رقدت على مجموعة أخرى من البيض، مرت إحدى وعشرون يوماً دون أن تنهض الدجاجة، وبعد ذلك فقس جميع البيض وخرجت كتاكيت صغيرة جميلة كباقي الكتاكيت الجميلة، أخذت الدجاجة تنظر إليهم بفرح غامر دون انقطاع، وكلما نظرت إليهم رددت مع نفسها قائلة:
الآن قد علمت، إننا بالصبر والعمل نحقق الأمل.

الخميس، 19 يناير 2012

"رغيف الخبز " قصة للأطفال بقلم: شهاب سلطان

رغيف الخبز
شهاب سلطان

جاع القلم يوما ولم يجد عنده غير عدد قليل من حبوب القمح، لا يكفي دقيقها لصناعة رغيف واحد.
فجلس يفكر ماذا يفعل.
رسم القلم حقلا جعل له حدودا أربعة.
بذر فيه حبوب القمح التي عنده،قلبها في التربة جيدا،رسم علي رأس الحقل شجرة كبيرة وجلس تحتها ليرعى البذور حين تنبت .
لم تنبت حبوب القمح براعما صغيرة .. تساءل وقال:
ـ المفروض أنه إذا وضعت الحبوب في التربة فلابد أن تنبت براعم صغيرة.هل كانت الحبوب فاسدة غير صالحة للزراعة؟
جلس القلم متضايقا .. أخذ يسأل نفسه ويقول:
ـ هناك شئ خطأ ، ما هو ؟ هل العيب في التربة أم في الحبوب؟
تذكر أن التربة الجافة لا تنبت بذورا،ابتسم فرحا وهم واقفا وهو يقول:
ـ هذا هو الخطأ الذي وقعت فيه.
رسم فوق الحقل عدة سحب داكنة في السماء.حجبت السحب ضوء الشمس عن الحقل وصار لون الجو رماديا.
نفخ القلم زفيره ناحية السحب تصادمت ببعضها وأحدثت برقا ورعدا وأسقطت مطرا كثيرا ، روي ماء المطر الأرض.. وبلل ملابس القلم.
نفخ القلم زفيره في السحب ثانية فابتعدت عن الحقل وسحبت ماءها وراءها وراحت تروي أرضا بعيدة.
هبط شعاع الشمس الي الأرض،جلس القلم في ظل الشجرة ،تبخر وجه الماء وصعد عاليا الي السماء وامتصت الأرض الجزء الباقي.
صارت التربة رطبة لينة ،أنبتت حبوب القمح براعما صغيرة اخترقت وجه الأرض وصعدت الي أعلي تتراقص مع النسمات. وأخذت الجذور تمتص الماء والغذاء من التربة وترسله الي البراعم فتنمو وتكبر حتى صار في طرف كل منها سنبلة خضراء طويلة.
استمرت الجذور تمتص الغذاء من التربة وترسله الي أعلي ، صار في السنابل حبوب صغيرة ظلت تحتفظ بما تحمله السيقان من الغذاء حتي امتلأت.
طلب القلم من الجذور أن تكف عن امتصاص الطعام من التربة فأطاعت. ولم يعد للسيقان عمل تعمله فذبلت وجفت واصفر لونها وصارت السنابل في لون الذهب .
حصد القلم الأعواد ، أخرج الحبوب من السنابل ، صار عنده عدة حفنات من حبوب القمح من بعد ما كان عنده عدد صغير منها.
ترك القلم حفنة واحدة من الحبوب ليزرعها ثانية وأخذ الباقي، رسم رحى من الحجر وجلس يطحن بها الحبوب.صار عنده دقيق يكفي لصناعة رغيف كبير .عجن الدقيق وصنع منه رغيفا كبيرا مدورا وتركه حتى يتخمر.
رسم القلم فرنا في حجم الرغيف..ورسم فيه حطبا وأشعل النار في الحطب.وحين خمدت النيران .. وضع الرغيف العجين في الفرن وتركه حتى نضج.
صار عند القلم رغيف كبير ساخنا،مسح الفرن وأطفأ النار وجلس في ظل الشجرة وأمسك بالرغيف بين يديه وهمٌ بأن يأكله.
مر عليه رجل جائع وطلب منه أن يعطيه مما أعطاه الله .
أعطي القلم الرغيف للرجل الجائع وقام ليبذر الحب من جديد.


- تمت -

الأربعاء، 18 يناير 2012

" شكرا يا أدواتي" قصة للأطفال بقلم: ثريا عبد البديع

 شكرا يا أدواتي
ثريا عبد البديع

ندى فتاة صغيرة وجميلة,تهتم بنظافتها ونظافة حجرتها,وتحب أسرتها..وكانت الصغيرة تعمل بنصائح أمها,وتتعلم منها.
لكن ندى كانت تشكو كثيرا من أسنانها,وتبكى من شده الألم,فبدأت أمها تلاحظها,وترى هل تعتني بأسنانها أم لا؟
وجدت الأم,أن صغيرتها تحرص على نظافة أسنانها باستمرار,فتغسلها في الصباح,وتغسلها في المساء,وتغسلها قبل النوم..كما لاحظت أن ابنتها تنظفها أيضا بعد تناول الطعام.
تحيرت الأم,وسالت نفسها:إذن لماذا تشكو ندى من الآم الأسنان؟
وفى يوم سمعت الأم بعض أدوات ندى تتحدث إلى بعضها..
فكان المشط يشكو إلى فرشاه الأسنان,كما كانت الفرشاة تشكو إليه..كان كل واحد يشكو من إن ندى لا تشكره بعد أن يؤدى دوره في مساعدتها,وفى نظافتها.
ولما سمعت الأم هذا الكلام,ذهبت إلى ابنتها تتحدث إليها قائلة:
صغيرتي ندى ..ماذا تفعلين لمن يساعدك في شيء أو يقدم إليك معروفا؟
قالت ندى:اشكره.
ردت أمها:فلماذا لا تشكرين المشط الذي مشط شعرك ليصبح مظهرك أجمل؟
ولم لا تشكرين الفرشاة التي تساعدك على تنظيف أسنانك؟
تساءلت الصغيرة:
كيف اشكر الفرشاة؟هل الفرشاة تسمع وتفهم؟
قالت أمها: الشكر هو أن تحرصي على نظافتها وغسلها جيدا بعد استخدامها.. هكذا يكون رد المعروف,ويكون الشكر للأدوات بعد مساعدتها لنا.
قالت ندى:لم انتبه لذلك من قبل ..معك حق يا أمي..أشكرك.
وبعد أيام وأيام سمعت الأم صغيرتها تحدث الفرشاة:
إنني الآن لا اشعر بأي الم يا فرشاتي العزيزة,واعدك بألا تتكرر شكواك منى أبدا,فأنا أحب أن أراك دائما نظيفة.
ومنذ ذلك الحين إن دخلت إلى غرفه ندى فسوف ترى أدواتها كلها نظيفة, ومرآتها أيضا ضاحكة لامعة.

الثلاثاء، 17 يناير 2012

"لونه إيه؟ " قصيدة للأطفال بقلم: شوقي حجاب

لونه إيه؟
شوقي حجاب

كان فيه بيضه
لونها إيه ؟ !
- طبعاً أبيض
فقست كتكت
لونه إيه ؟!
- طبعاً أصفر
كبر الكتكت
- وفضل يلقط
حب وحب
أكل الحب
وحب الحب
وفرش الحب
بقى ديك بنى
عرفه محنى
يمشى يغنى
يحب يهنى
ويوصلنى
لما أتوه
والناس طبعاً بيحبوه

الأحد، 15 يناير 2012

"إعادة بناء العالم" قصة مترجمة للأطفال بقلم: باولو كوليهو ترجمة: حسن صلاح حسن

إعادة بناء العالم
باولو كوليهو
ترجمة: حسن صلاح حسن
كان الأب يحاول ان يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير كان يضايقه. وبعد أن ملّ الأب من إزعاج ابنه له قطع صفحة من الجريدة كان بها خريطة العالم، قطعها الأب إلى قطع صغيرة ثم أعطاها لابنه، وقال له:
- الآن سيكون لديك ما تفعله، فهذه القصاصات التى بين يديك هى قصاصات لخريطة العالم، وأريد أن أختبرك إذا كنت ستستطيع أن تعيدها كما كانت مرتبةً بدقة.
ثم استكمل الأب قراءته للجريدة موقناً أن ابنه سيستغرق بقية اليوم فى ترتيب القصاصات، إلا أنه بعد مضى ربع ساعة فقط أتى الصبي بالقصاصات مرتبة ومكونة خريطة العالم.
فتساءل الأب مدوهشاً:
- هل علمتك والدتك الجغرافيا؟
فأجاب الابن:
- أنا لا أعرف حتى ما قصدت بخريطة العالم، ولكن كانت هناك صورة رجل على ظهر الصفحة، فرتبت أجزاء الرجل، ووجدت أن خريطة العالم ترتبت أيضاً.


* القصة للكاتب باولو كوليهو من كتاب (قصص للآباء والأبناء والأحفاد) المجلد الأول 2008

السبت، 14 يناير 2012

"الريح‏" قصة للأطفال بقلم: زكريا تامر

الريح‏
زكريا تامر
قال الغزال الصغير للريح: "احمليني إلى شاطئ البحر".‏
فضحكت الريح، وقالت بلهجة مؤنبة: "أنت كسول، فلماذا أحملك ما دمت سريع الركض؟.".‏
قال الغزال: "أنا متعب جداً فهيا ساعديني".‏
قالت الريح: لا أستطيع تلبية طلبك، فأنا لا أشتغل في الصيف".‏
قال الغزال بغيظ: "إذن متى تشتغلين؟".‏
قالت الريح: "اشتغل في الشتاء فقط".‏
قال الغزال متسائلاً بهزء: "وما هو عملك؟".‏
فأجابت الريح بصوت دهش مستنكر: "ألا تعلم؟ أنا أخلص الأشجار من أوراقها الصفراء اليابسة، وأنا أثقل الغيوم المحملة بالمطر إلى الحقول العطشى".‏
غضب الغزال، واتهم الريح بأنها لا تريد مساعدته، وأبلغها أنه لم يتحدث معها، غير أنه ابتسم حين أبصر أرنباً يتواثب مرحاً، فصاح به: "أنا أسرع منك في الركض".‏
قال الأرنب فوراً: "ماذا تنتظر؟ هيا نتسابق".‏
وانطلق الغزال والأرنب يركضان، وهمت الريح أن تتحداهما وتشترك في السباق، ولكنها ظلت صامتة هادئة إذ تذكرت أنها لا تشتغل في الصيف إنما تستسلم للراحة منتظرة الشتاء.‏

"حلم جديد.." قصة للأطفال بقلم: خلود البوسعيدي

حلم جديد..
خلود البوسعيدي*
حملت سلمى ذاتُ السنواتِ العشرِ دلوها الصغيرَ ومضت تجول به مزارع حارتهم الطيبة، تجمع ما تيسر من حبات التمر المتساقطِ تحت أشجارِ النخيلِ الباسقة، كانت قد اعتادت أن تفعل ذلك كل صباحٍ مع أمها أحيانًا وبمفردها أحيانًا أخرى، وكثيرًا ما كانت تملأ الدلو وتكابدُ عناء حملهِ لبيتهم الصغير لتعود به فارغًا إلى المزارع مرة أخرى، وتبذل جهدًا مضاعفًا حتى تملأه قبل أن تلسعها أشعة الشمس الحارقة في فصل الصيف القاسي!
انحنت لتلتقط حبات التمر المنغرسةِ في التربةِ من أثر السقوط وقد اختلط بعضها بنبات الأرض، غير أنها توقفت عن ذلك للحظة حين جال بخاطرها سؤالٌ تنتظر معرفة جوابه منذ أيام.. متى ستذهب مع أمها لشراء أدوات وملابس المدرسة؟؟
لم يتبق من الإجازةِ سوى أيامٍ معدودة والمدرسة ستعاود فتح أبوابها من جديد.. كم تحب المدرسة وتشتاق لملاقاة رفيقاتها بشدة!!
كان هذا السؤال يلحُ على فكرها تدفعه ذكريات أمسها وأحلام غدها الجميل.. ترى هل نسيت أمها موعد بدء الدراسة؟.. ولكن لا.. أمها تعلم الوقت الملائمَ لشراءِ ما يلزمها، من المستحيل أن تنسى ذلك، فقط عليها أن تصبر قليلاً وتكتم رغبتها في اقتناء أدوات المدرسة بسرعة حتى لا تثقل على والديها..
عاودت التقاط حبات التمر بصمت، فتناهى إلى مسمعها جلبة أحدثها أطفال يسيرون في الشارع القابع خلف جدران المزرعة، فهمت منها أنهم متجهون لتعلم قراءة القرآن عند أحد الشيوخ في حارتهم... كانوا يضحكون ويتحدثون بصوت مرتفع!
تنهدت بعمق.. لماذا يجب عليها أن تكون هنا في حين أن غيرها من الأطفال يلعبون كيفما يشاءون؟؟
نفضت ذلك عن رأسها وتعجلت العودةَ إلى البيت، ربما ستجد أمها تنتظرها لتخبرها بما تفكر فيه! جمعت ما استطاعت من حبات التمر وعادت أدراجها إلى بيتهم وهي تسير عبر المزارع التي تحيط بحارتهم تارةً وعبر طرق الحارةِ المغمورةِ بالتراب تارة ً أخرى، حتى إذا ما بلغت باب بيتهم كان الإرهاقُ قد بلغ منها مبلغه وغطى التراب وجهها، وزينت حشائش المزرعة ملابسها..
ولجت من باب بيتهم الخشبي المتهالك، واتجهت من فورها لتصعد درجات منزلهم المنحدرة محاذرة السقوط، وما إن وصلت لسطح منزلهم حتى رمت ما بالدلو عليه وتوقفت لدقيقة كاملة لكي تلتقط أنفاسها المتقطعة، تأملت فيها أشعة الشمس التي جعلت ترمي التمر بحرارتها الحارقة! نزلت بسرعة واندفعت تبحث عن أمها وقبل أن يرتفع صوتها مناديًا تناهى إلى مسمعها صوت أمها تحدث إحدى جاراتهم، دنت من مجلسهم وسمعت جارتهم تسأل أمها قائلة: ماذا عن سلمى هل جهزتها للمدرسة؟
خفق قلب سلمى عندما لم تسمع من أمها ما يؤيد أحلامها الصغيرة.. أصغت وهي تكتم أنفاسها حتى تستطيع أن تلتقط كلَ ما يدور في الداخل، وتبينت من حديث أمها الهامس الخجول قولها: لا املك ما أجهزها به ولا والدها يملك أكثر مما نستعين به على مأكلنا ومشربنا.. يكفيها ما تعلمته حتى الصف الرابع!!
ومع آخر حروف كلماتها كان الدمع قد ملأ عيني سلمى ولم تستطع أن تسمع محاولات جارتهم لإقناع أمها بالتخلي عن هذه الفكرة.. جرت لغرفتها وارتمت على فراشها لتغمر وسادتها بفيض من الدموع المتألمة!!
ـ ـ ـ
صعدت أمها قبل الغروب لسطح منزلهم حتى تعاين التمر الذي أنهى موعده مع أشعة الشمس، ووجب وضعهُ في أكياس خاصة، نادتها فصعدت سلمى وقد خبت همتها وكادت نبضات قلبها المشتاقةُ لأرجاء المدرسة أن تتوقف... ساعدت أمها بصمت لم يغب عن عين أمها البصيرة وعن قلبها العطوف... فحاولت أن تسليها ببعض الحكايات التي وجدت طريقها إلى قلب سلمى فبدأت تتجاوب معا كأي طفل صغير تجذب هذه الأقاويل انتباهه وتستولي على وجدانه..
استغلت سلمى جو المرح الذي ساد بينهما وفكرت في محاولةٍ أخيرةٍ تطلب فيها من أمها بصريح العبارة أن تأخذها إلى المكتبة لشراء ما ترغب فيه، استجمعت شجاعتها وبعدد لحظات تردد قالت:أمي..
التفتت إليها الأم فأردفت وهي تتحاشى النظر إلى عينيها: متى سنذهب لشراء ما يلزمني للمدرسة؟؟
ثم تابعت بسرعة بنبرة مرحة: لم يتبق غير بضعة أيام عنها!!
حارت الأم الطيبة في جوابها لم ترغب في أن تؤذي أحلام ابنتها المتفوقة في دراستها، ولا أن تثقل عليها بهمّ فقرهم وحاجتهم... مسحت وجهها بيدها بألمٍ وقالت لها بلين: قريبًا إن شاء الله.. سأخبر والدك ونذهب برفقته..
أدركت سلمى أن ما قالته أمها لمجرد إلهائها عن واقع الأمر، وأن المدرسة ستغدو بعد أيامٍ مجرد حلم بعيد.. أخفت حزنها عن أمها.. وتبسمت!
مضى يومٌ وآخر.. وسمعت سلمى أحاديث بنات الحارة الصغيرات عن أغراضهن الجديدة وحقائبهن الجميلة، حدثتهن هي الأخرى عن أدوات خيالية اشترتها لها أمها مدارية بذلك شعورًا بالنقص ألم بنفسها الصغيرة..!
لم تعلم أن صديقاتها في الحارة كنّ يتهامسن بأن أمها لن تسمحَ لها بالذهاب للمدرسة هذا العام، ولو علمت لما جشمت نفسها مرارة الكذب!
ـ ـ ـ
بعد غدٍ تبدأ الدراسة.. واللعب مع الرفاق..
بدأ اليأس يلامس قلب سلمى الصغيرة، هي لا تصدق أنها لن تذهب إلى المدرسة مجددًا.. لن ترى صديقاتها اللواتي يقطنّ في مناطق بعيدةٍ عنهم.. ترى هل سيزرنها؟؟
لن ترى معلماتها اللواتي اعتدنَ الثناء عليها وإغراقها بالهدايا الجميلة.. لن يمنحها أحدهم هديةً بعد اليوم!!
كثيرة هي الدموع التي سالت من محجرها.. كثيرة هي الخيالات التي طافت بفكرها..
سألت أباها أن يشتري لها حقيبة جديدة وملابس للمرحلة القادمة.. لم يستطع أن يلبي رغبتها هنالك ديونٌ كثيرة تقع على عاتقه، سمعته يقول لأمها أن تقترض بعض المال من إحدى جارتها المقتدرات، وسمعتها تجيبه أن عليها حقًا لها ولا تستطيع تحمُلَ المزيد...
غدًا تبدأ المدرسة.. واللعب مع الرفاق..
أدركت سلمى ألا أمل فيما ترغب به نفسها فآثرت الصمت،و أزمعت على أن لا تثقل على والديها.. ستزور صديقاتها حتى تتعلم معهنَ لن يرفضن ذلك!..
ذهب إلى أمها عند العصر، قالت لها: أنا لست حزينة لأني لن أذهب للمدرسة، ستعلمينني كيف أرعى البيت وأطبخ لأبي صحيح.. أنا سعيدة بذلك..
وتبسمت في حين لمعت دمعة في عين أمها..مرّت لحظات صمت ثقيلةٍ بينهما،و لم تستطع سلمى أن تدرك ما جال بخاطر أمها خلال تلك اللحظات.. حاولت أن تقول شيئًا، إلا أنها فوجئت بأمها تقوم بسرعة وهي تحمد الله وتدعوه، التفتت سلمى صوب الناحية التي تعلق ناظري أمها بها.. كانت هناك شاحنة كبيرة تقترب ببطء من منزلهم..!
جاء أبوها مسرعًا إثر نداء أمها له، لم تستوعب سلمى ما يحدث.. وقفت الشاحنة أمام منزلهم وتحدث والدها مع صاحب الشاحنة قليلاً واتفقا على شيء لم تتبينه من مكانها..ثم جعلا يحملان تلك الأكياس التي وضع التمر الجاف المتصلب من أشعة الشمس بها ويضعانه في شاحنة الرجل.. باعوا ستًا منها..
عندما غادر الرجل كانت أم سلمى مستمرة في ترديد الحمد والشكر، قال لهما أبوها وهو ينفس عما في صدره من ضيق وهمّ: الحمد لله لقد ارتفع سعره لكثرة طلبه هذه الأيام كعلفٍ للحيوانات..
ثم التفت لابنته الصغيرة وقال بسرور: الآن سنذهب لشراء ما تحتاجينه من أدوات المدرسة..!!
لم تتمالك سلمى نفسها عندما سمعت تلك العبارة فصرخت بسعادة غامرة، وارتمت بين يدي أمها، وعندما امتدت يدُ والدها تربّت على رأسها شعرت بندمٍ يتسلل إلى نفسها.. لماذا تأففت من جمع حبات التمر؟! ها هي ذي تمنحها فرصة للذهاب إلى المدرسة بعد أن كادت تفقد الأمل من ذلك.. تهبها فرصة لكي تحلم حلمًا جديد...
أغمضت عينيها وأراحت رأسها على صدر أمها وقد أيقنت أن النخلة لا تتخلى عمن يعتني بها.. هكذا فطرت وهكذا ستظل!!

*سلطنة عمان