لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الاثنين، 15 مايو 2017

"الديناصور" رواية للأطفال بقلم: طلال حسن



الديناصور
رواية للأطفال
بقلم: طلال حسن

   1
ــــــــــ
       عادت الديناصورة العشبية إلى وكرها ، عند غروب الشمس ، بعد أن تجولت طوال النهار ، في المروج المحيطة بالبحيرة ، وأكلت من عشبها الريان حتى شبعت .
وخلال هذه الفترة ، صادفت الكثير من الديناصورات من نوعها ، وكذلك من الأنواع الأخرى ، آكلة الأعشاب ، وحاذرت الديناصورات المتوحشة ، المفترسة ، التي تأكل اللحوم ، وخاصة لحوم الديناصورات ، التي تقتات على الأعشاب فقط .
وحوالي منتصف ذلك النهار ، وعلى مقربة من حافة البحيرة ، حين همت أن تشرب الماء ، وتروي عطشها ، رأت جارتها الديناصورة ، فحيتها قائلة : طاب صباحكِ ، يا جارتي العزيزة .
وردت الجارة قائلة : وصباحك ، يا جارتي العزيزة ، أرجو لك دوام الصحة والعافية والأمان .
وبعد أن شربت كفايتها من ماء البحيرة ، وهي تنصت حذرة إلى ما يدور حولها ، سألتها قائلة : كيف حال بيضك ، يا عزيزتي ؟
وردت الجارة فرحة ، وهي تتلفت حولها : بخير ، أشكرك ، أظنها ستفقس قريباً .
وارتفع صياح بشع من بين الأشجار البعيدة ، فرفعت الجارة رأسها ، وقالت : حذار ، يا عزيزتي ، هذا الديناصور تي ـ ركس ، وهو ديناصور شرس ، متوحش ، مفترس لاحم .
فتراجعت الديناصورة خائفة ، وقالت : انتبهي إليه ، يا عزيزتي ، فأنت عندك بيض يوشك أن يفقس .
وأطل القمر من أعلى الأشجار ، فتنهدت الديناصورة ، فقد تذكرت صغيرتها التي كانت تحب القمر ، والتي فتك بها الديناصور تي ـ ركس ، كما فتك بغيرها من صغار الديناصورات العشبية .

   2
ـــــــــ
فزت الديناصورة   قبيل شروق الشمس ، على صرخات متوجعة ، مستغيثة ، تصاحبها أصوات متوحشة قاتلة ، يا للويل ، كم تخشى أن يكون الديناصور تي ـ ركس يهاجم الديناصورة جارتها .
وهبت من وكرها ، وقلبها يخفق بشدة خوفا ، وقلقا ، إنها جارتها فعلا ، وفعلاً كان الديناصور تي ـ ركس يهاجمها في وكرها ، فما كان منها إلا أن تطلق سيقانها للريح ، وتلوذ بالفرار .
وتأكدت من أكثر من ديناصور وديناصورة ، خلال الساعات التالية ، بأن الديناصور تي ـ ركس ، فتك ببجارتها ، وجرها بعيدا عن وكرها ، وافترسها .
وطافت حزينة ، قلقة ، خائفة ، بين الأشجار المحيطة بالبحيرة ، دون أن تغيب جارتها وبيضها ، الذي كانت تنتظره أن يفقس ، عن بالها.
وحوالي منتصف النهار ، اتجهت بخطوات مضطربة إلى وكرها ، وهي في الحقيقة تريد أن تعرف ما جرى لبيضات جارتها المسكينة ، التي فتك بها الديناصور المفترس تي ـ ركس .
وحين اقتربت من وكرها ، تطلعت إلى وكر جارتها الديناصورة ، وحتى من بعيد ، لاحظت الدمار الذي أصابه ، وآثار المعركة الشرسة التي دارت فيه ، ولم يمنعها خوفها من دخول الوكر ، وإذا بالبيض ، وكما توقعت ، محطم ومبعثر على الأرض .
وعاينت البيض جيداً ، ولاحظت أن إحدى البيضات ، لم تصب بأذى ، فانحنت عليها ، وأخذتها إلى صدرها ، وأسرعت بها مبتعدة عن الوكر المدمر .

   3
ــــــــــ
  اتخذت الديناصورة  وكرا جديدا لها ، وسط أجمة كثيفة الأشجار ، بعيدا بعض الشيء عن البحيرة ، ووضعت بيضة جارتها الراحلة في مكان آمن فيه .
وكما لو أن البيضة ، هي بيضتها وليس بيضة جارتها  الراحلة ، فقد حدبت عليها ، وراحت تراقبها ، وترعاها ليل نهار ، فهي ، على ما قالت أمها ، قبل أن يفتك بها الديناصور تي ـ ركس ، توشك أن تفقس ، ويخرج منها ديناصور صغير .
وذات ليلة ، رقدت في وكرها مبكرة ، فقد كانت متعبة ، وقلقة ، على حياتها من جهة ، وعلى بيضة جارتها الراحلة من جهة أخرى ، وفي ساعة متأخرة من الليل ، أفاقت على حركة ، خفيفة ، متخبطة ، و شاكية  و .. وفتحت عينيها ، ونظرت حيث وضعت البيضة ، وإذا ديناصور صغير ، يخرج من البيضة ، ضعيفا ، مبللا ، جميلا ، وينظر إليها ، وكأنه يغمغم : ماما .
وبحنان الأم ، أسرعت إليه ، وأخذته بين كفيها ، وتندت عيناها بالدموع ، حين تذكرت صغيرتها ، وكذلك أم الديناصور الصغير ، اللتين فتك بهما الديناصور اللاحم المتوحش تي ـ ركس .
وظلت الديناصورة مستيقظة حتى شروق الشمس ، والديناصور الصغير بين كفيها ، كأنها تدفئه من برد الليل ، وتحميه من أي خطر يمكن أن يواجهه ، ولم لا ، أليس هو الآن صغيرها ؟

   4
ــــــــــ
    خلال الأيام ، والأسابيع ، والأشهر التالية ، راح الديناصور الصغير ينمو ، ويكبر ، ويشتد عوده ، وكل ذلك بفضل الديناصورة ، التي وفرت له ، كل ما يمكن أن يحتاجه ديناصور  في عمره .
ويوما بعد يوم ، راح يزحف إلى الأشجار ، القريبة من الوكر ، ويتجول فيها راكضا ، ضاحكا ، مسرعا ،  ويتم ذلك دائماً بمرافقة الديناصورة ، التي لم يكن يغيب عن نظرها لحظة واحدة .
وكانت كلما ابتعدت عن الوكر ، بين حين وآخر ، لسبب قاهر ما ، كانت توصيه قائلة : بنيّ ، ابقَ في الوكر ، ولا تغادره حتى أعود .   
ويمتليء قلبها فرحا ، حين يرد قائلا : نعم ، ماما .
صحيح إنه لا ينفذ توصيتها تماما ، إذ يخرج من الوكر ، ويتجول بين الأشجار ، لكنه لا يبتعد ، وما إن يسمع ما يريبه ، يعود مسرعا إلى الوكر ، ويبقى فيه ، حتى تعود الديناصورة من الغابة  .
وسواء شعر بالعطش ، أو لم يشعر ، فكان ينظر إلى الديناصورة ، ويقول لها : ماما ، عطشان .
ورغم أن الديناصورة تعرف مكره ، إلا أنها تأخذه إلى بركة صغيرة قريبا ، ويشرب منها الماء ، ولم تحاول مرة واحدة ـ خوفا عليه طبعا ـ أن تأخذه إلى البحيرة ، وهي ليست بعيدة كثيرا عن الوكر .
وذات يوم ، وكان وحيدا في الوكر ، سمع وقع أقدام خفيفة ، فأنصت مليا ، أهي الديناصورة ، أم كائن عدو ، أم .. وهنا أطلت عليه ديناصورة في عمره ، وكادت تلوذ بالفرار ، حين رأته ، لكنه ناداها مطمئنا : تعالي ، لا تخافي ، أنا مثلك ديناصور صغير .
ووقفت الديناصورة الصغيرة ، وراحت تنظر إليه صامتة ، فقال الديناصور : إنني هنا أعيش مع أمي ، لقد خرجت منذ الصباح وستعود بعد قليل .
فقالت الديناصورة الصغيرة : أنا أعيش مع أمي في وكر بين الأشجار ، وقد خرجت وحدي ، بعد أن ذهبت منذ الصباح إلى البحيرة .
وتساءل الديناصور : البحيرة !
فقالت الديناصورة الصغيرة : نعم ، إنها بحيرة كبيرة وجميلة ، وهي ليست بعيدة ، وقد أخذتني ماما إليها أكثر من مرة ، ألم تذهب أنت إليها ؟
فرد الديناصور الصغير : كلا ، بل لم أسمع حتى بوجود مثل هذه البحيرة .
وقالت الديناصورة الصغيرة : سآتي إليك ، خلال أيام ، ونذهب إليها معا .
ولاذ الديناصور الصغير بالصمت ، فقالت الديناصورة الصغيرة : لابد أن أذهب الآن ، أخشى أن تعود ماما ، ولا تراني في الوكر .

   5
ـــــــــ
لم يخبر الديناصور الصغير ، الديناصورة ، بأنه التقى بالديناصورة الصغيرة ، التي في عمره تقريبا ، ولم يقل لها طبعا ، بأنها وعدته أن تزوره ، وتأخذه معها إلى البحيرة ، التي لم يسمع حتى بها .
ورغم ذلك ، شعرت الديناصورة  ربما كأم بأن أمرا ما ، لم تستطع أن تحدده ، قد حدث ، ما هو ؟ متى حدث ؟ ومن كان وراءه ؟ هذا ما لم تعرفه .
وأوت الديناصورة  إلى مكانها ، لتنام ، وترتاح من عناء اليوم ، لكنها سمعت الديناصور الصغير يتململ في مكانه فقالت له : أراك لم تنم .
وبدل أن يرد الديناصور الصغير عليها ، تساءل : ماما ، أخبريني ، ما البحيرة ؟
لم تتمالك الديناصورة نفسها ، فالتفتت إليه ، وقالت مندهشة : البحيرة !
وهز الديناصور الصغير رأسه ، فقالت الديناصورة :  البحيرة بركة ، لكنها كبيرة .
فقال الديناصور الصغير : لم تأخذيني يوما إليها ، لأراها وأتذوق ماءها .
ونظرت الديناصورة إليه ، ثم قالت : ماء البحيرة لا يختلف عن ماء البركة ، التي نشرب أنا وأنت منه .
وتمدد الديناصور الصغير ، وقال كأنما يحدث نفسه : ليتني أتذوق هذا الماء .
وأغمضت الديناصورة  عينيها ، لكنها لم تنم ، فقد شغلها ، وأقلقها ، و أطار النوم من عينيها ، حديثه عن البحيرة ، ترى كيف عرف بأمر البحيرة ؟ لا بد أن أحدا حدثه عنها ، ترى من هو ؟ هذا ما تريد أن تعرفه .



     6
  ـــــــــ
    على أحرّ من الجمر ، انتظر الديناصور الصغير ، أن توافيه الديناصورة الصغيرة ، ليذهبا معاً إلى البحيرة ، ولعله أحس في داخله ، أنه مشتاق لرؤيتها ، بقدر تشوقه إلى رؤية البحيرة ، إن لم يكن أكثر .
وطال انتظاره ، هذا ما شعر به ، حتى خشي أن لا تأتي ، لكنها أتت في صباح اليوم الثالث ، أتت متحمسة ، فرحة ، فأسرع لاستقبالها باشاً ، وقال : ماذا جرى ؟ لقد تأخرتِ ، حتى خفت أن لا تأتي .
وضحكت الديناصورة الصغيرة ، حتى خيل إليه أن بلبلاً يغرد ، وقالت : أمي لم تخرج من الوكر إلا اليوم ، هيا نذهب إلى البحيرة .
وانطلقت الديناصورة مهرولة ، فانطلق الديناصور الصغير في أثرها قائلاً : هيا .. هيا .
وخلال هرولتهما جنباً إلى جنب ، قالت الديناصورة الصغيرة : ماما لا تعرف حتى الآن ، أنني أرتاد البحيرة بين حين وآخر .
وقال الديناصور الصغير : أما أنا ، فإن ماما لا تعرف حتى بزياراتكِ لي .
وقالت الديناصورة الصغيرة فرحة : سنرى البحيرة ، وسنفرح باللهو على شوطئها  .
فقال الديناصور الصغير : سألتُ ماما عن البحيرة ، فقالت ، إن البحيرة بركة كبيرة .
وضحكت الديناصورة الصغيرة ، وقالت وهي تركض ، وتشير بيدها إلى ما وراء الأشجار : انظر ، تلك هي البركة الكبيرة ، تعال ، أسرع .
وطوال ساعات ، تمتع الديناصور الصغير بمباهج البحيرة ، ألتي أسمتها أمه البركة الكبيرة ، ولكن ما أبهجه أكثر ، وأنساه مرور الساعات ، هو صحبة الديناصورة الصغيرة ، التي حولت رؤيته للبحيرة ، للمرة الأولى ، ذكرى لا يمكن نسيانها .

   7
ـــــــــ
    فوجىء الديناصور الصغير ، عند عودته من البحيرة ، قبيل العصر ، بالديناصورة تقف في مدخل الوكر ، فتوقف أمامها ، وآثار أشعة الشمس والبهجة على وجهه ، وقال : ماما ذهبنا إلى البحيرة .
وحاولت الديناصورة أن تظهر فرحتها بالأمر ، وقبل أن تقول شيئاً ، قال الديناصور الصغير : لم أكن وحدي ، كانت معي ديناصورة في عمري  .
وقالت الديناصورة : تعال ادخل ، جئتك بطعام .
ودخل الديناصور الصغير إلى الوكر ، مع الديناصورة  ، وهو يقول : إنني شبع ، لقد أكلت مع الديناصورة الصغيرة مما يوجد قرب البحيرة .
ووضعت الديناصورة الأم الطعام جانباً ، وقالت : لابد أنك تمتعت به ، أكثر مما تتمتع بالطعام الذي أجلبه لك من أعماق الغابة .
وتنهد الديناصور الصغير : آه .
فقالت الديناصورة الأم : طبعاً آه مادامت الديناصورة ، التي في عمرك ، كانت معك طوال الوقت .
وعلى غير عادته ، أوى الديناصور الصغير إلى مكانه ، بعد غروب الشمس مباشرة ، ولم تفارقه الساعات التي قضاها مع الديناصورة الصغيرة ، حتى بعد أن استغرق في نوم عميق ، ففي منامه ، رأى الديناصورة الصغيرة ، تركض إلى جانبه ، فرحة ، ضاحكة ، على شوطىء البحيرة ، الرملية ، الدافئة .

    8
ـــــــــــ
    مثلما تكبر العصافير ، وتكبر الأشجار ، كبر الديناصور الصغير ، وصار فتى ، وكذلك كبرت الديناصورة الصغيرة ، وصارت فتية ، وككل الفتيان صار العالم ، وكأنه كله ملكاً لهما ، يلهوان فيه ، ويتمتعان ، ويرسمان معاً آفاقاً واسعة للمستقبل .
ويوماً بعد يوم ، صارا حرين في الخروج من الوكر ، ويعودان إليه دون وصاية من الأم ، ولماذا لا ، وقد امتدا عرضاً وارتفاعاً حتى ضاهيا الديناصورات الأخرى ، أما قوتهما ـ في رأيهما طبعاً ـ فلا حدود لها .
ومع تقدمهما في النضج ، يوماً بعد يوم ، توثقت العلاقة بينهما ، أكثر وأكثر ، ولم يكن يعكرها إلا ديناصور في عمرهما تقريباً ، يراقبهما من بعيد أحياناً ، أو بالأحرى يراقب الديناصورة الفتية .
والحقيقة أن هذا كان يضايق الديناصور الفتيّ ، أكثر مما يضايق الديناصورة الفتية ، فهذا الديناصور معجب بها ، وربما يحسد الديناصور الفتيّ على علاقته بها ، وعبثاً حاولت الديناصورة الفتية ، أن تهون الأمر على الديناصور الفتيّ .
وأكثر من مرة ، تعرض هذا الديناصور للديناصورة الفتية ، والحق أنه أراد أن يتقرب منها ، لكنها كانت دائماً تصده ، وطالما قالت له صراحة : أرجوك لا تقترب مني .
وذات مرة ، قال لها الديناصور الغريب : لكن ذلك الديناصور ليس بأفضل مني .
لكنها ابتعدت عنه ، دون أن تردّ عليه ، وظل هذا الديناصور على عادته ، يراقبهما من بعيد ، أو يتقرب منها ، إذا كانت وحدها ، ويسلم عليها ، فكانت تبتعد عنه ، دون أن توجه له كلمة واحدة .
وطالما حذرته أمه ، من بعض الديناصورات المتوحشة ، القاتلة ، وخاصة الديناصور تي ـ ركس ، وفوجئا ذات يوم ، وهما يسيران بين الأشجار ، مستغرقين في الحديث ، بالديناصور تي ـ ركس ، يلوح من بعيد ، وكأنه يبحث عن فريسة ، يفتك بها ، ويلتهمها .
وتسمرت الديناصورة مرعوبة في مكانها ، وتمتمت : يا ويلي ، انظر ، إنه تي ـ ركس .
ومدّ الديناصور الفتيّ يده القوية ، وأمسك يدها المرتعشة ، وقال لها : لا تخافي .
فقالت الديناصورة الفتية : كيف لا أخاف ، إنه الديناصور متوحش ، قاتل  .
ونظر الديناصور الفتيّ إليه ، ورآه يتجه نحوهما ، دون أن ينتبه إلى وجودهما ، فسحب الديناصورة الفتية برفق ، وقال : تعالي نبتعد ، إنه لم يرنا .
وابتعد الديناصور الفتيّ ، بالديناصورة الفتية ، عن الديناصور القاتل تي ـ ركس ، ومضيا حتى صارا في مأمن ، فتوقفا لاهثين ، وقال الديناصور الفتيّ : لنرتح هنا قليلاً ، إنه بعيد الآن .
وحاولت الديناصورة الفتية أن تتمالك نفسها ، وقالت : من الأفضل أن نبتعد عن هذا المكان ، فأنا أخشى أن تي ـ ركس مازال في الجوار .

   9
ـــــــــ 
تواعد الديناصور الفتيّ ، والديناصورة الفتية ، أن يلتقيا ، عند منتصف النهار ، على مرتفع معشب يطل على البحيرة ، وغالباً ما كان الديناصور الفتي ، يسبقها في الحضور إلى مكان الموعد ، وقد قررت هذا اليوم بالذات ، أن تسبقه ، فتحضر إلى المرتفع ، حيث تواعدا ، قبل أن يحضر هو إليه .
وحضر الديناصور الفتي ، في الوقت المحدد ، على عادته ، وفوجئ بان الديناصورة الفتية ، لم تكن وحدها ، وإنما كان يقف إلى جانبها الديناصور الغريب ، ولاحظ  وهو يقترب منهما ، إنها منفعلة ، وسمعها تصيح فيه : قلت لك ألف مرة أن تبتعد عني .
وحين وصل إليها ، لم ينسحب الديناصور الغريب ، كما يحدث كل مرة ، وإنما وقف في مكانه ، كأنما يتحداه ، فانقض الديناصور الفتي عليه ، وضربه على وجهه عدة مرات ، حتى ألقاه على الأرض ، وهم أن يستمر في ضربه ، لكن الديناصورة الفتية ، اعترضته قائلة : توقف ، توقف أرجوك .
فقال الديناصور الفتي ، وهو ما يزال يريد ضربه : دعيني أؤدبه ، كي لا يتعرض لك ثانية .
وتحامل الديناصور الغريب على نفسه ، ونهض مترنحاً ، فصاح به الديناصور الفتي : اذهب بعيداً ، سأقتلك إذا رأيتك هنا ثانية .
وتراجع الديناصور الغريب قليلاً ، ثم وقف محدقاً فيه ، وقال : أنت ديناصور جبان ..
وهم أن ينقض عليه ، فأعترضته الديناصورة وقالت : دعه  يكفيه ما أنزلته به .
وقال الديناصور الغريب : ما دمت بهذه الحماسة ، فلماذا لا تواجه قاتل أمك ؟
وقطب الديناصور الفتي ، وقال : قاتل أمي ! أيها المجنون ، أنا أمي مازالت موجودة .
فقال الديناصور الغريب : هذه ليست أمك ، أمك الحقيقية قتلها الديناصور تي ـ ركس .





  10
ــــــــــ
    في طريق العودة إلى البيت ، لم ينبس الديناصور الفتي بكلمة واحدة ، وحتى حين افترقا ، وعلى غير العادة ، لم يتفقا على موعد جديد .
ووصل إلى الوكر ، كانت الديناصورة موجودة ، فنظرت إليه ، وقالت : يا للعجب ، جئت اليوم مبكراً ، هذه ليست عادتك .
وانزوى الديناصور الفتي في مكانه ، وقال بصوت مختنق : إنني متعب اليوم .
وحدقت الديناصورة فيه ، ثم قالت : لا يبدو أنّ هذا هو الأمر الحقيقي .
ولاذ الديناصور الفتي بالصمت ، دون أن ينظر إليها ، فأعدت سفرة الطعام ، وقالت : لدينا اليوم طعام لذيذ ، تعال نأكل معاً .
ورد الديناصور الفتي ، دون أن يرفع عينيه الغائمتين إليها : إنني شبعان .
ونحت الديناصورة  الطعام ، دون أن تأكل منه لقمة واحدة ، فترك الديناصور الفتي مكانه ، وجلس في مدخل الوكر ، وعيناه ثابتتان في البعيد .
ونهضت الديناصورة ، وجلست إلى جانبه ، ثم قالت : إنني أمك ، صارحني ، ما الأمر ؟
والتفت الديناصور الفتي إليها ، وحدق فيها ملياً ، ثم قال : من هي أمي ؟
وخفق قلبها بشدة ، وقالت : أنا ، أنا أمك ، يا بني . وتساءل ثانية : أمي الحقيقية ؟ من هي ؟
وتندت عيناها بالدموع ، وقالت : أنا أرعاك منذ أن كنت بيضة ، حتى صرت ما أنت عليه ألان .
وصمت لحظة ، ثم قال : أصدقيني ، يُقال أنّ أمي قتلها الديناصور تي ـ ركس .
ونهضت الديناصورة  ،  ومضت إلى الداخل والدموع تسيل من عينيها ، فنهض الديناصور الفتي ، ولحق بها ، وقال : هذه هي الحقيقة إذن .
وهزت رأسها باكية ، وقالت : وقتل مثلها صغيرتي ، كنزي ، الذي لم يعوضني عنه احد غيرك .
واحتضنها الديناصور الفتي ، وقال من بين أسنانه : هذا اللعين ، سيدفع الثمن .
وصاحت ملتاعة : لا ، انه وحش مفترس .
فقال : فليكن ما يكون ، لابد أن يدفع الثمن ، وسيدفع الثمن غالياً ، مهما كان الأمر .




   11
ــــــــــــ
    منذ أن علم الديناصور الفتي ، أن الديناصور تي ـ ركس هو قاتل أمه الحقيقية ، صار شغله الشاغل ، التفكير فيه ، وطوال ساعات النهار ، راح يبحث عنه ، لينزل فيه العقاب الذي يستحقه .
وحاولت أمه الديناصورة ، أن تثنيه عما عزم عليه ، لكن دون جدوى ، ودون جدوى ، حاولت الديناصورة الفتية ثنيه ، فلم يكن يشغله غير ديناصور واحد هو تي ـ ركس ،  الذي يسعى وراءه من مكان إلى مكان ، وما إن يسمع بوجوده في مكان ، حتى يسعى إليه .
وذات ليلة مقمرة ، شعرت الديناصورة ، بأن النوم قد جفا الديناصور الفتي ، وطالما جفاه منذ معركته الأخيرة مع الديناصور الغريب ، فنهضت من مكانها وجلست على مقربة منه .
وأحس بالديناصورة الحنونة ، تمسد رأسه ، وسمع صوتها تهمس له : بني ..
لم يرد عليها ، فمالت نحوه ، وقالت : من أمك ؟
انتظرت أن يجيبها ، لكنه ظل صامتاً ، فقالت : نعم ، من وضعت البيضة ، لها نصيب كبير فيك ، لكن أنا من حمى تلك البيضة حتى فقست ، وأنا من رعى ذلك الصغير الحبيب ، حتى صار أنت .
وصمتت لحظة ، ثم قالت : وأنت كل شيء الآن في حياتي ، وكما عشت لك ، أريد أن تترك ملاحقة الديناصور القاتل تي ـ ركس ، وتسلم لي .
لم يجبها ، فنهضت من جانبه ، ورقدت في مكانها ، والدموع تسيل من عينيها ، لكنها لم تر الدموع التي سالت من عيني الديناصور الفتي .

   21
ــــــــــــ
    مرارا تحدثت إليه الديناصورة الفتية ، كما تحدثت إليه أمه ، في الساعات القليلة ، التي تراه فيها ، سواء في الغابة ، أو على شاطئ البحيرة ، وهو في سعيه الدائم ، وراء الديناصور تي ـ ركس .
وخلال بحثه هذا ، لاحظ أكثر من مرة ، الديناصور الغريب يحوم حول الديناصورة الفتية ، وكم همّ أن ينقض عليه ، ويبرحه ضربا ، إلا أن تي ـ ركس كان شغله الشاغل ، فيمضي للبحث عنه .
وذات أمسية ، جلس في المكان الذي كان يلتقي فيه كثيرا بالديناصورة الفتية ، بعد أن هدّه التعب في البحث عن الديناصور تي ـ ركس ، وإذا بالديناصورة الفتية تجلس إلى جانبه ، دون أن تنبس بكلمة .
وبعد حين ، بدأت الشمس تغطس في البحيرة ، فقال الديناصور الفتي : الشمس تغيب .
 تنهدت الديناصورة الفتية ، وقالت وكأنها تحدث نفسها : طالما تمنيت ، أن نبني وكرا ، واسعا بعض الشيء ، بين أشجار كثيفة ، يطل على البحيرة ، لكن هذا الحلم ، يبدو أنه سيغيب كما تغيب هذه الشمس .
ونهض الديناصور الفتي من مكانه ، وقال : ذلك الديناصور القاتل ، لابد أن أقتص منه .
ونهضت الديناصورة الفتية بدورها ، وقالت : إذا أردت أن تقتلني ، فاستمر بالبحث عنه ، وحاول قتله .
ولم تنتظر أن يرد الديناصور الفتي عليها ، فسارت مبتعدة حتى غابت بين الأشجار ، ومعها غابت الشمس في أعماق البحيرة ، وهبط الظلام كستارة سوداء .

   13
ـــــــــــ
    أخيرا عثر عليه ، في وكر خرب ، محشور في زاوية بعيدة ، موحشة ، من الغابة ، فدخل عليه الوكر ، وإذا هو يضطجع ، هزيلا ، مهدماً ، كأنه شبح ذلك الديناصور القاتل ، المفترس تي ـ ركس ، وليس هو تي ـ ركس حقيقة .
وتوقف على مقربة منه ، فرفع الديناصور تي ـ ركس عينيه المنطفئتين إليه ، وحدق فيه مليا ، ثم قال بصوت يحتضر : إنني .. جائع .
فقال الديناصور الفتي ، وهو يكتم غضبه : تعال كلني ، إنني موجود أمامك .
وهز الديناصور تي ـ ركس رأسه الضخم ، البشع ، وقال : ليتني .. أستطيع .
ومال عليه ، كأنه يريد أن يغرس فيه أسنانه ، وقال : أيها اللعين ، لقد أكلت أمي .
وتراجع الديناصور تي ـ ركس إلى الوراء قليلا ، وقال : أكلت من نوعك الكثير من الآباء والأمهات والصغار ، أنتم لذيذون ، لذيذون جدا .
وقال الديناصور الفتي ، من بين أسنانه : لقد بحثتُ عنكَ طويلاً ، وآن أن تدفع الثمن .
ونظر الديناصور تي ـ ركس إليه ، بعينيه المنطفئتين ، وقال : هذه فرصتك ، إنني ـ كما ترى ـ ديناصور مريض جدا ، وعاجز ، اقتلني .
وهمّ أن ينقض عليه ، ويكتم ما تبقى من أنفاسه ، لكنه توقف ، ثم تراجع ، حين تراءت له الديناصورة الفتية ، واستدار ببطء ، ثم غادر الوكر .

  
   14
ـــــــــــ
    منذ يومين و الديناصور الفتي ، منهمك في بناء الوكر ، وهو كما أراده ، واسعاً بعض الشيء ، بين أشجار عالية ، على مرتفع يطل على البحيرة .
وفوجئ في اليوم التالي ، بعد منتصف النهار ، بالديناصورة الفتية تطل عليه من مدخل الوكر ، وهي تهتف : نحن هنا .
وتوقف عن العمل مبتسما ، وقال : جئت بعد أن أوشكت على إكمال الوكر .
ودخلت الوكر ، وراحت تطوف فيه مهمهمة ، ثم قالت : إنه وكر واسع ، يتسع لأكثر من واحد .
ولاذ بالصمت ، وهو يتطلع إليها ، فقالت : لا أظن أنك ستعيش فيه وحدك.
فقال : طبعا لا .
وصمتت هي الأخرى ، ونظرت إليه بعينيها الفتيتين اللتين طالما قال أنهما تشبهان ماء البحيرة ، فقال : تي ـ ركس ، لم أقتله .
اقتربت منه ، وقالت : عرفت بذلك .
فقال : إن جراحه عميقة ، ومتقدم في السن ، وصار شبه عاجز ، فتركته لمصيره .
قالت : هذا أفضل .
نظر إليها ، وقال : قبل أن أتركه ، وأغادر وكره الخرب ، تذكرتكِ ، وتذكرت ماما ، نعم ، وكما قلت ، الأفضل أن نعيش بسلام .
ابتسمت ، وأشارت بيدها إلى الوكر ، وقالت : لقد كمل تقريبا ، هل ستكمله غدا .
قال : كلا .
ونظرت إليه متسائلة ، فقال : بل أكمله اليوم ، وأنت ستكملينه معي طبعا.













       ملاحظات
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1.  امفيسيلياس : ديناصور هو الأضخم ، والأطول ، والأكثر وزنا ، يتراوح طوله بين 40 إلى 60 مترا ، ويصل وزنه 22 طنا .
2.  تي – ركس : ملك الدينصورات ، وأكثرها شراسة ، واثارة للرعب ، وزنه 7 أطنان وطوله 12 مترا ، وهو صياد ، وآكل للجيف .
3.    كامار اصوراس : ديناصور عملاق آكل للعشب ، طوله " 23 " مترا ، ووزنه " 50 " طنا .
4.  الديناصور : حيوان منقرض ، عاش قبل سبعين مليون سنة ، بعضه نباتي ، والبعض الآخر لاحم ، والبعض لاحم وعشبي في نفس الوقت .

هناك تعليق واحد:

Blogger يقول...

eToro صفقات التداول المفتوحة في 227,585,248

eToro هي السوق الرائدة للجيل التالي من المتداولين والمستثمرين. بإمكانك تحقيق أرباح مباشرة من خلال التداول عبر الإنترنت وقيادة خمسة ملايين متداول اجتماعي حول العالم، والحصول على الأموال باعتبارك تمثل جيلاً جديداً من مدراء الصناديق عندما ينسخ الآخرون استثماراتك.